فضيحة تهز مخيمات تندوف.. “مادوف البوليساريو” يختفي والضحايا يبحثون عن أموالهم

محرر مقالات17 سبتمبر 2026
فضيحة تهز مخيمات تندوف.. “مادوف البوليساريو” يختفي والضحايا يبحثون عن أموالهم

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

اهتزت مخيمات تندوف على وقع فضيحة مالية غير مسبوقة بعد انهيار شركة استثمارية تحمل اسم “إنفرافست”، وفرار مديرها سلامو أبا علي إلى وجهة لا تزال مجهولة، تاركا وراءه مودعين يبحثون عن أموالهم وأسئلة تتجه هذه المرة نحو قيادة جبهة البوليساريو وأجهزتها، بعدما تمكنت الشركة من ممارسة نشاطها داخل المخيمات لنحو عامين قبل سقوطها المفاجئ.

 

وتشبه طبيعة النشاط المنسوب إلى الشركة نموذج “بونزي” الشهير الذي ارتبط باسم الممول الأمريكي برنارد مادوف؛ إذ كانت “إنفرافست” التي ظهرت في تندوف سنة 2024، تعرض على السكان عوائد مالية مرتفعة مقابل إيداع أموالهم لديها، فيما تشير روايات متداولة داخل المخيمات إلى أن الأموال الجديدة كانت تستخدم أساساً لتسديد مستحقات المنخرطين السابقين.

 

واستمر النشاط إلى غاية 13 شتنبر الجاري عندما أعلنت الشركة عبر شبكات التواصل الاجتماعي مواجهتها “مشكلات تقنية غير متوقعة” تعيق سير عملها بصورة طبيعية.

 

لكن ما بدا في البداية عطلا تقنيا سرعان ما تحول إلى أزمة، مع انتشار خبر مغادرة مدير الشركة واختفائه، قبل أن يعلن سلامو أبا علي لاحقا إفلاس “إنفرافست”.

 

وحتى الآن لا توجد حصيلة موثقة لحجم الأموال التي فقدها المودعون أو عدد الضحايا، كما لم تتأكد الوجهة التي غادر إليها مدير الشركة، رغم تداول فرضيات داخل المخيمات تشير إلى الجزائر أو إسبانيا أو تركيا.

 

غير أن الجانب المالي ليس وحده ما يمنح القضية حساسيتها. فالسؤال الذي بدأ يطرح نفسه داخل المخيمات يتعلق بكيفية تمكن شركة تجمع أموال السكان وتعدهم بعوائد استثمارية مرتفعة من العمل منذ سنة 2024 دون أن تتدخل أجهزة البوليساريو أو السلطات الجزائرية للتحقق من طبيعة نشاطها والضمانات التي تقدمها للمودعين.

 

وتزداد حساسية السؤال بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لمخيمات تندوف، حيث تتحكم الجبهة في جزء واسع من الحياة الإدارية والسياسية داخلها، بينما توجد المخيمات فوق التراب الجزائري وتظل السلطات الجزائرية مسؤولة عن إقليمها.

 

فإذا كان النشاط قد استمر قرابة عامين، فإن القضية لا تتعلق فقط بمسؤولية الشخص الذي جمع الأموال، بل بفعالية آليات الرقابة التي كان يفترض أن تكتشف مخاطر النموذج المالي قبل انهياره.

 

أما إذا كان النشاط معروفا لدى الجهات المسؤولة فإن سؤالاً آخر يطرح نفسه حول أسباب السماح باستمراره طوال هذه المدة.

 

وبحسب المعلومات المتداولة فإن مدير “إنفرافست” رجل ثلاثيني يدعى سلامو أبا علي وينحدر من قبيلة الرقيبات الشرق. ونقلت “يابلادي” عن مصدر من داخل المخيمات قوله إن عائلة أبا علي معروفة محليا، وإن اثنين من أبناء عمومته الراحلين كانا من بين الأعضاء المؤسسين لجبهة البوليساريو.

 

يربط المصدر بين موقعه الاجتماعي والعائلي وبين الثقة التي استطاع بناءها حول مشروعه، وهي نقطة تكتسب أهمية في مجتمع تلعب فيه الروابط القبلية والعائلية دوراً مؤثرا.

 

لكن هذه المعطيات تظل رواية مصدر نقلتها الصحيفة ولا تثبت بمفردها وجود حماية سياسية أو أمنية لمدير الشركة.

 

وبقدر ما يثير جمع الأموال التساؤلات، يثير اختفاء مدير الشركة سؤالاً آخر لا يقل إحراجا. كيف تمكن شخص أصبح في قلب قضية مالية تمس عددا غير محدد من سكان المخيمات من المغادرة إلى وجهة مجهولة؟

 

فإذا تأكد خروجه إلى خارج الجزائر، فإن ذلك يعني بالضرورة أنه تمكن من تجاوز المسافة بين المخيمات والحدود أو أحد المطارات والمنافذ الخاضعة للسلطات الجزائرية.

 

أما الوجهة نفسها فلا تزال مجهولة ولذلك لا يمكن الجزم حتى الآن بأنه غادر الأراضي الجزائرية أصلا. وهنا يصبح تحديد مكانه جزءا أساسيا من كشف حقيقة القضية: هل لا يزال داخل الجزائر؟ وهل غادر بصورة قانونية؟ ومتى كانت آخر مرة شوهد فيها؟ وهل تحركت الأجهزة بعد انهيار الشركة لتحديد مكانه؟

 

أسئلة لم تظهر لها حتى الآن إجابات رسمية معلنة.

 

ويزيد غياب الأرقام من غموض القضية. فبعد أيام من انهيار “إنفرافست”، لا يزال العدد الحقيقي للمودعين وحجم الأموال التي جمعتها الشركة غير معروفين، كما لم يعلن عن فتح تحقيق رسمي معروف يكشف حجم الخسائر أو مصير الأموال.

 

هذه المعطيات ضرورية للتمييز بين أزمة مالية محدودة وعملية احتيال واسعة مست شريحة كبيرة من سكان المخيمات.

 

كما أن تحديد حركة الأموال قد يكشف طبيعة النشاط نفسه: أين كانت تودع أموال المنخرطين؟ وهل كانت للشركة حسابات مصرفية؟ وكيف كانت تحول الأرباح الموعودة؟ وهل كانت تملك استثمارات حقيقية تدر العائدات التي وعدت بها؟

 

الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت “إنفرافست” شركة فشلت في الوفاء بالتزاماتها أم مخططا هرميا عاش على تدفق أموال المنخرطين الجدد.

 

وفي الوقت الذي بدأت فيه القضية تنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي وبين سكان المخيمات، لم تقدم وسائل الإعلام التابعة أو القريبة من البوليساريو تغطية توازي حجم الجدل الذي أحدثته الفضيحة.

 

ووصل الملف في المقابل إلى وسائل إعلام خارج المخيمات وسط اتساع النقاش بشأن مصير أموال السكان ومسؤولية الجهات التي سمحت للشركة بالنشاط.

 

وهنا تتحول القضية تدريجيا من فضيحة رجل واحد إلى اختبار لطريقة إدارة البوليساريو لشؤون المخيمات. فالمسألة لم تعد مقتصرة على السؤال: أين ذهب سلامو أبا علي؟

 

هناك أسئلة أوسع: كيف اشتغلت “إنفرافست” طوال عامين؟ من كان يعرف بنشاطها؟ هل كانت مرخصة؟ أين كانت تحفظ الأموال؟ من راقب معاملاتها؟ وكيف أمكن لمديرها الاختفاء لحظة انهيارها؟

 

المؤكد أن سقوط “إنفرافست” فتح ثغرة جديدة في الصورة التي تحاول قيادة البوليساريو تقديمها عن قدرتها على إدارة المخيمات ومؤسساتها. فشركة ظهرت سنة 2024، وجمعت أموالا مقابل وعود بعوائد مرتفعة، واستمرت قرابة عامين، ثم انهارت واختفى مديرها، بينما لا يعرف السكان حتى الآن حجم الأموال المفقودة أو عدد المتضررين.

 

ولهذا، فإن العثور على “مادوف تندوف” قد يجيب عن سؤال مكان الرجل، لكنه لن يكون كافياً لإغلاق القضية. السؤال الأكبر سيظل موجها إلى من بقي في المخيمات: كيف تمكن كل ذلك من الحدوث أصلا وتحت أعين من؟

الاخبار العاجلة