العيون الآن.
يوسف بوصولة
في الثلاثين من يوليوز من كل عام، يحتفي المغاربة بعيد العرش المجيد، مناسبة وطنية ترمز إلى عمق الارتباط بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الوفي، وتشكل محطة رمزية للوقوف على حصيلة التقدم الذي حققته المملكة على امتداد 26 سنة من حكم صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي أرسى دعائم مشروع مجتمعي حداثي برؤية استباقية ومتوازنة، جعلت من المغرب نموذجا رائدا في محيطه الإقليمي والدولي.
تحل ذكرى عيد العرش لهذه السنة في سياق وطني متسم بتحولات بنيوية شملت مختلف المجالات، حيث استطاعت المملكة تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك أن تحقق طفرة نوعية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والرياضية والدبلوماسية، مستفيدة من دينامية إصلاحات متكاملة توزعت على كافة ربوع البلاد.
انعكست هذه الرؤية الملكية المتبصرة في مشاريع مهيكلة أحدثت تغييرات عميقة في البنية الاقتصادية للمملكة، من خلال تعزيز البنيات التحتية والرفع من جاذبية الاقتصاد الوطني. برز المغرب كبلد متقدم من حيث تطوير شبكات الطرق السيارة التي تجاوزت 2000 كيلومتر، في أفق بلوغ 3000 كيلومتر بحلول عام 2030، كما يعد أول دولة إفريقية تطلق القطار فائق السرعة. وفي المجال المينائي، يحتل ميناء طنجة المتوسط مكانة مرموقة بين أكبر موانئ الحاويات في العالم، إذ صنف ضمن أفضل 20 ميناء عالميا، والأول على مستوى حوض المتوسط والقارة الإفريقية، في انتظار دخول مينائي الناظور غرب المتوسط والداخلة الأطلسي حيز الخدمة.
وفي قطاع الطاقة، أضحى المغرب أحد أبرز الأقطاب الإفريقية والعالمية في مجال الطاقات المتجددة، بفضل مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية والريحية، وإطلاق أوراش واعدة لإنتاج الهيدروجين الأخضر، ما يعزز موقع المملكة كمزود طاقي مستدام.
أما على المستوى الصناعي، فقد تمكن المغرب من ترسيخ مكانته كفاعل محوري في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في قطاعات السيارات، والصناعات الجوية، والصناعات الغذائية، وهي مؤهلات جعلته يقترب من الانضمام إلى نادي أفضل 50 اقتصادا في تصنيف البنك الدولي لمناخ الأعمال “دوينغ بيزنيس”.
رافق هذا المسار التنموي حرص ملكي مستمر على الجوانب الاجتماعية، حيث أولى جلالة الملك عناية خاصة للعدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع الفئات الهشة. وتعد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نموذجا لهذا الالتزام، إلى جانب برامج تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية والتعليمية، ورقمنة المرافق العمومية، ومراجعة مدونة الأسرة.
اعتبر الخبير الجيوسياسي الفرنسي فريدريك إنسيل في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء أن المغرب يشهد دينامية تنموية “مبهرة”، ترسخ مكانته كبلد صاعد حقيقي، بفضل القيادة المتبصرة لجلالة الملك.
وفي المجال الدبلوماسي، استطاع المغرب بفضل نهجه الاستباقي والواقعي أن يحقق مكاسب كبرى، خاصة فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، حيث نال مخطط الحكم الذاتي دعما واسعا من قوى دولية وازنة. فبعد اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بمغربية الصحراء، انضمت إسبانيا وفرنسا، ثم المملكة المتحدة إلى هذا التوجه، فيما عبرت أكثر من 123 دولة عن دعمها للمبادرة المغربية كحل نهائي وواقعي للنزاع المفتعل.
وقد أشاد السيناتور البلجيكي السابق فرانسيس دولبيريه في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، بالنجاحات الدبلوماسية التي حققتها المملكة في هذا الملف، مشيرا إلى أن هذه المكاسب ما كانت لتتحقق لولا التوجيهات الملكية الواضحة والجهود المستمرة للدبلوماسية المغربية.
واصلت المملكة، منذ العودة التاريخية إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، تعزيز حضورها بالقارة الإفريقية، من خلال مبادرات ملموسة تجسدت في مشروع أنبوب الغاز النيجيري المغربي، والمبادرة الملكية الخاصة بتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، فضلا عن إطلاق آلية التعاون بين الدول الإفريقية الأطلسية، وهي خطوات تؤكد التزام المغرب بخدمة القضايا الإفريقية بروح التضامن والتكامل.
الرياضة بدورها لم تكن خارج دائرة الاهتمام الملكي، إذ عرفت المملكة في السنوات الأخيرة نهضة كروية ورياضية غير مسبوقة. بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم 2022 كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، فيما حظي المغرب بشرف تنظيم نهائيات كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال، وهي سابقة عالمية تقام فيها هذه التظاهرة الكروية الكبرى لأول مرة بين قارتين.
وفي هذا الصدد، عبر رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو عن ثقته في قدرة المغرب على تنظيم هذه التظاهرة بنجاح، مشيدا بالبنيات التحتية المتطورة والشغف الشعبي الكبير بكرة القدم، وواصفا المملكة بالنموذج في التحديث الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي.
هكذا، يمثل عيد العرش المجيد محطة سنوية يتجدد فيها الإجماع الوطني حول اختيارات المملكة، كما يعكس حجم المنجزات التي تحققت في إطار رؤية ملكية استشرافية، جعلت من المغرب بلدا صاعدا يخطو بثبات نحو المستقبل، في ظل تلاحم قوي بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي.











