العيون الآن
الحافظ ملعين _ العيون
صحفيو العيون في عيد الشغل.. لا أجور، لا تغطية صحية، ولا دعم منصف..
في الوقت الذي يخلد فيه المغرب، عيد الشغل فاتح ماي باعتباره محطة رمزية للاعتراف بقيمة العمل وصون الحقوق الاجتماعية والمهنية، يبرز واقع مغاير يعيشه صحفيو الأقاليم الجنوبية، خاصة بجهة العيون الساقية الحمراء، حيث يتحول هذا اليوم من مناسبة للاحتفاء بالمكتسبات إلى لحظة لتجديد الأسئلة المؤلمة حول العدالة المهنية والمجالية داخل قطاع الإعلام.
فبينما يتحدث مديرو مقاولات الاجور الإعلامية عن تأخر أجورهم، يجد عدد من صحفيي ومستخدمي المقاولات الإعلامية بالأقاليم الجنوبية أنفسهم أمام وضع أكثر تعقيدا، لا أجور منتظمة، ولا رواتب مستقرة، ولا تغطية صحية فعلية بسبب تراكم ديون الضمان الاجتماعي، ولا استفادة عادلة من منظومة دعم يفترض أنها وضعت أصلا لضمان استمرارية المقاولة الإعلامية وصون كرامة العاملين بها.
المفارقة الكبرى أن هذه الوضعية لا تعكس ضعف حضور أو محدودية أداء. على العكس تماما، فقد فرض صحفيو الأقاليم الجنوبية أنفسهم كفاعلين أساسيين داخل المشهد الإعلامي الوطني، من خلال مواكبة يومية لمختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والانخراط في الدفاع الإعلامي عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية، في واجهة تواصلية تتطلب يقظة عالية ومهنية كبيرة.
من العيون إلى الداخلة، مرورا بالسمارة..، يشتغل هؤلاء الصحفيون في ظروف ميدانية دقيقة، ويواجهون تحديات إضافية مرتبطة بحساسية الملفات التي يغطونها، إضافة إلى حملات التشهير والاستهداف الرقمي، دون أن يقابل هذا المجهود باعتراف اقتصادي ومؤسساتي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المهني.
لقد وفرت الدولة، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وحفظه ، إمكانيات مهمة للنهوض بقطاع الإعلام وتحديثه، غير أن الإشكال لا يبدو في غياب الإمكانيات، بل في كيفية توزيعها وتدبيرها. فالمتتبع للشأن الإعلامي يلاحظ أن الاستفادة من الدعم العمومي والإشهار الوطني تظل متمركزة بشكل شبه حصري في محور الرباط والدار البيضاء، حيث تستفيد مقاولات معروفة ومحدودة العدد من موارد متنوعة ومنتظمة، مكنتها من أداء أجور صحفييها من بداية الوباء كورونا الى اليوم مع اداء التزاماتهم الاجتماعية والصحية في ظروف تحفظ كرامتهم.
في المقابل، تعيش عشرات المقاولات الإعلامية بالأقاليم الجنوبية، وخصوصا بمدينة العيون، وضعا اقتصاديا خانقا يهدد استمراريتها. ديون متراكمة، التزامات اجتماعية معلقة، صعوبات في الأداء، وانعدام شبه تام لولوج فعلي إلى سوق الإشهار الوطني، بما يجعل هذه المؤسسات في مواجهة يومية مع شبح الإفلاس والمتابعات.
هذا الواقع يطرح بإلحاح سؤال العدالة المجالية داخل قطاع الإعلام. فكيف يمكن الحديث عن إعلام وطني متوازن، في وقت تستمر فيه الفوارق نفسها داخل توزيع الموارد؟ وكيف يعقل أن تظل جهة بحجم العيون الساقية الحمراء، بما تمثله من ثقل استراتيجي وسياسي وإعلامي، خارج منطق الإنصاف الاقتصادي والإعلاني؟
إن صحفيي الأقاليم الجنوبية لا يطالبون بامتيازات استثنائية، ولا يسعون إلى معاملة تفضيلية، بل يطالبون فقط بحقوق مهنية أساسية: أجر منتظم، تغطية صحية، دعم عادل، وإشهار يراعي البعد المجالي والكفاءة المهنية مثلهم مثل غيرهم في شمال المملكة.
عيد العمال هذه السنة يمر ثقيلا على هذه الفئة، لأن السؤال لم يعد مرتبطا فقط بتحسين الأوضاع، بل بضمان البقاء نفسه. فحين يصبح الصحفي عاجزا عن تأمين أبسط شروط العيش الكريم، تصبح استمرارية الممارسة المهنية مهددة، ويصبح الحديث عن تطوير الإعلام مجرد شعار غير مكتمل.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل العقلاء والحكماء والجهات الوصية لإعادة النظر في منطق توزيع الدعم والإشهار، وتصحيح الاختلالات التي راكمت شعورا متزايدا بالحيف لدى الفاعلين الإعلاميين بالأقاليم الجنوبية.
إن إنقاذ المقاولات الإعلامية بجهة العيون الساقية الحمراء لم يعد مطلبا فئويا ضيقا، بل ضرورة مرتبطة بحماية التعددية الإعلامية وضمان استمرارية صوت مهني ظل حاضرا في الميدان رغم الإكراهات.
وفي فاتح ماي، حيث يحتفل العالم بقيمة العمل، يظل صحفيو الأقاليم الجنوبية من بين القلائل الذين يحيون المناسبة بلا أجر، بلا راتب، وبأسئلة مفتوحة حول مستقبل مهنة اختاروا الدفاع عنها رغم كل الصعوبات.
فهل آن الأوان لفتح هذا الملف بجرأة وإنصاف قبل أن يتحول الاحتقان الصامت إلى أزمة أعمق داخل قطاع حيوي واستراتيجي؟











