8 سنوات فوق دراجة…يوسف سحساح يروي إفريقيا التي لا يراها أبناؤها

محرر مقالات28 أغسطس 2026
8 سنوات فوق دراجة…يوسف سحساح يروي إفريقيا التي لا يراها أبناؤها

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو – العيون.

 

من مدينة العيون كبرى حواضر الصحراء المغربية، انطلقت رحلة يوسف سحساح نحو عمق القارة الافريقية، رحلة لم تكن عابرة، ولا مجرد مغامرة على متن دراجة هوائية، بل تجربة امتدت لثماني سنوات قادته إلى 36 دولة، وعرفته عن قرب على شعوب وثقافات وتاريخ قارة كثيرا ما تختزل في الازمات والفقر والهجرة.

واليوم تكفي نظرة إلى جوازي سفره الممتلئين بالتاشيرات حتى تختصر جانبا من هذه الرحلة الطويلة، صفحتان بعد صفحتين تتحول التاشيرات إلى سجل لمسار قطعه الرحالة المغربي عبر بلدان افريقية متعددة، قبل أن تتحول صورة الجوازين إلى مادة أثارت تفاعلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تعليقات حمل بعضها نظرة سلبية ومسيئة إلى افريقيا نفسها.

 

لكن خلف هذه التعليقات تبرز مفارقة أكبر، كيف يمكن لقارة ينتمي إليها أكثر من مليار إنسان، وتزخر بالتاريخ والثقافات والثروات والامكانات، أن تصبح في نظر جزء من ابنائها مجرد محطة يريدون مغادرتها ؟

 

في المخيال الشعبي لدى كثير من الشباب الافارقة، تبدو اوروبا وامريكا احيانا وكأنهما الوجهة الوحيدة الممكنة لتحقيق النجاح، يصبح الحصول على تاشيرة امريكية حلما وتاشيرة اوروبية مشروعا، والسفر إلى الضفة الاخرى من العالم دليلا على الوصول، بينما تتراجع قيمة القارة نفسها في سلم الطموحات.

المفارقة أن الاهتمام بتاشيرة بلد اجنبي قد يكون اكبر بكثير من الاهتمام باكتشاف بلد افريقي مجاور، رغم أن القارة تختزن تنوعا ثقافيا وتاريخيا وطبيعيا هائلا، وتضم مجتمعات وشعوبا وتجارب متباينة إلى درجة تجعل افريقيا في حد ذاتها، عالما واسعا للاكتشاف.

 

ومن هذه الزاوية جاءت تجربة يوسف سحساح لتقدم رواية مختلفة، فهو لم ينظر إلى افريقيا باعتبارها مكانا ينبغي الهروب منه بل اختار أن يعبرها بدراجته، وأن يعيش تفاصيلها وأن يقترب من شعوبها، وأن يرى ما وراء الصورة التي تختزل القارة في الفقر والازمات.

 

وفي تصريحه للعيون الآن، يرى سحساح أن بعض التعليقات تعكس جهلا بقيمة افريقيا وتاريخها، مؤكدا أن هناك من لا يفرق بين الوطن والحكومة، فينظر إلى القارة من خلال مشاكلها السياسية والاقتصادية فقط، متناسيا أنها اكبر من حكوماتها واغنى من صورتها النمطية.

وبالنسبة إلى الرحالة المغربي، فان من يسافر في افريقيا ويعيش مع شعوبها ويكتشف ثقافاتها وتاريخها، سيكتشف قيمتها الحقيقية وهي خلاصة لا تأتي من قراءة أو انطباع عابر، وانما من تجربة ميدانية امتدت لسنوات ومرت عبر عشرات المجتمعات.

 

الدراجة هنا لم تكن مجرد وسيلة للانتقال بل كانت وسيلة للرؤية، فالسفر ببطء يتيح للرحالة أن يرى ما قد لا يراه المسافر بالطائرة، القرى، والاسواق، والطرقات، والعادات، والوجوه، واللغات، وانماط الحياة اليومية، ومن خلال هذا الاحتكاك المباشر، تصبح افريقيا اكثر تعقيدا من الصورة الجاهزة التي ترسم عنها.

 

لكن رسالة سحساح تتجاوز الدفاع عن جمال القارة إلى طرح سؤال اكثر الحاحا، لماذا يحلم الشباب الافريقي بمستقبله خارج افريقيا اكثر مما يحلم ببنائه داخلها ؟

 

يقول سحساح إن الافارقة مهما حاولوا اثبات انفسهم للغرب، لن ينظر اليهم باعتبارهم جزءا منه بالضرورة، معتبرا أن اليوم الذي ستفتخر فيه القارة بذاتها وتؤمن بامكانات شبابها، سيكون نقطة تحول في علاقتها بالهجرة وبالمستقبل.

 

فالهجرة في هذا التصور، ليست مجرد رغبة في تغيير المكان، وانما نتيجة لسلسلة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تجعل المستقبل في اذهان كثيرين مرتبطا بالضفة الاخرى، ولذلك فان مواجهة الهجرة لا يمكن أن تكون امنية فقط، بل تبدأ ايضا من بناء اقتصادات توفر الفرص، وتعليم يفتح الافاق، ومؤسسات تمنح الشباب اسبابا حقيقية للبقاء.

 

ومع ذلك تبقى المفارقة صارخة، قارة غنية بالموارد والثقافات والتنوع البشري، بينما يتحول الحصول على تاشيرة إلى اوروبا او امريكا لدى البعض إلى حلم اكبر من حلم اكتشاف افريقيا نفسها.

 

ولا يعني ذلك أن الرغبة في السفر إلى اوروبا او امريكا مشكلة في حد ذاتها، ولا أن كل من يسعى إلى الهجرة يرفض قارته، فالكثيرون يبحثون ببساطة عن فرص اقتصادية او تعليمية او ظروف افضل، لكن الاشكال يبدأ حين تتحول الهجرة إلى المعيار الوحيد للنجاح، وحين يصبح الانتماء إلى افريقيا شيئا يراد تجاوزه بدل أن يكون مصدر ثقة وطموح.

 

ومن هنا تكتسب تجربة سحساح رمزيتها، جوازان ممتلئان بالتاشيرات الافريقية في مقابل حلم تاشيرة واحدة إلى الغرب، دراجة قطعت الاف الكيلومترات في قارة يراها البعض مجرد محطة للعبور، ورحالة اختار أن يكتشف ما لدى افريقيا قبل أن يحكم عليها.

 

قد لا تقدم تجربة فرد واحد اجابة عن ازمات قارة كاملة، لكنها تطرح سؤالا يستحق التامل، ماذا لو نظر الافارقة إلى قارتهم بالفضول نفسه الذي ينظرون به إلى اوروبا وامريكا ؟

 

بعد ثماني سنوات و36 دولة، تبدو رسالة يوسف سحساح واضحة، افريقيا ليست مشكلة ينبغي الهروب منها، وليست مجرد جواز عبور نحو الغرب، وانما قارة غنية تحتاج إلى أن يكتشف ابناؤها قيمتها، ويؤمنوا بقدرتهم على بناء مستقبلهم فيها.

 

فربما تبدأ النهضة قبل الاستثمارات والمشاريع والسياسات، من تغيير بسيط في النظرة، أن يتوقف الانسان الافريقي عن رؤية قارته بعين العابر، وأن يبدأ في رؤيتها بعين صاحب المكان.

الاخبار العاجلة