العيون الآن.
حمزة وتاسو – العيون.
لم تعد سبتة ومليلية مجرد عنوان لنزاع تاريخي عمره قرون، ولا ملفا قانونيا يمكن اختزاله في سجال حول السيادة والحدود بهذا المنظور يفتح الدكتور الشرقاوي الروداني في مقال تحليلي منشور بمجلة Modern Diplomacy، زاوية مختلفة لقراءة واقع المدينتين، واضعا اياهما في قلب التحولات الاستراتيجية المتسارعة التي يشهدها غرب البحر الابيض المتوسط.
ويقدم الروداني قراءة تتجاوز المقاربة التقليدية، مركزا على التحول الذي طرأ على البيئة الجيوسياسية المحيطة بسبتة ومليلية، في وقت ظل فيه وضعهما القانوني مستقرا إلى حد كبير، فالمسألة وفق هذا الطرح لم تعد تتعلق فقط بمن يملك السيادة من الناحية القانونية، وانما بكيفية ممارسة هذه السيادة داخل فضاء جغرافي تغيرت وظائفه وتوازناته بصورة عميقة.
ويشير الكاتب إلى ان سبتة ومليلية تقعان اليوم عند تقاطع مجموعة من اكثر الملفات حساسية في غرب المتوسط، من الهجرة ومراقبة الحدود، الى مكافحة التطرف العنيف والجريمة المنظمة، مرورا بالامن البحري والتجارة والطاقة وتنامي الترابط بين اوروبا وافريقيا، وبذلك لم تعد المدينتان مجرد بقايا جغرافية من مرحلة تاريخية سابقة، بل تحولا الى مفصل استراتيجي تتقاطع حوله تدفقات بشرية واقتصادية وامنية متزايدة.
ويعود الروداني الى الجذور التاريخية للقضية، مذكرا بان البرتغال احتلت سبتة سنة 1415 قبل ان تنتقل الى السيادة الاسبانية بموجب معاهدة لشبونة سنة 1668، فيما تخضع مليلية للسيطرة الاسبانية منذ سنة 1497 ومنذ ذلك الحين، تغيرت خرائط القوى العالمية، وسقطت امبراطوريات، واستقلت مستعمرات، واعيد رسم الحدود في مناطق عديدة من العالم، بينما حافظت المدينتان على وضع سياسي ظل الى حد كبير مستقرا.
غير ان التاريخ كما يوضح الكاتب، يفسر كيف نشأ هذا الوضع اكثر مما يفسر لماذا لا يزال يحظى بهذه الاهمية اليوم، فغرب البحر الابيض المتوسط في القرن الحادي والعشرين لم يعد يشبه البيئة التي نشأت فيها هذه الترتيبات، تغيرت طرق التجارة واصبحت الهجرة عنصرا بنيويا في السياسة الاقليمية، وتصاعدت اهمية الامن البحري، كما توسعت الروابط بين اوروبا وافريقيا عبر الطاقة والاستثمار والتجارة والتعاون الامني.
ومن هنا يضع الروداني الجغرافيا السياسية في صلب فهم القضية، فاذا كان التحليل القانوني يركز على الاساس الاقليمي للسلطة السيادية، فان الجغرافيا السياسية تنظر الى تأثير الموقع والقرب وشبكات الاتصال والعلاقات المكانية في الممارسة العملية للقوة، وفي حالة سبتة ومليلية لا يمكن تجاهل ان المدينتين تخضعان للادارة الاسبانية، لكنهما توجدان جغرافيا داخل المجال المباشر للمغرب، وهو واقع ينعكس بدرجات مختلفة على حركة الاشخاص والبضائع، وادارة الحدود، والامن والاستقرار والتدفقات الاقتصادية والبشرية.
ولا يعني ذلك في قراءة الروداني، ان الجغرافيا تحسم تلقائيا مسالة السيادة، لكنها تحدد البيئة التي تمارس فيها السلطة، وهذه نقطة مركزية في المقال لان الحدود السياسية قد تبقى ثابتة، بينما تتغير باستمرار الظروف الاقتصادية والامنية والجيوسياسية المحيطة بها.
وفي هذا السياق يولي المقال اهمية خاصة للملف الامني فسبتة ومليلية توجدان على واحد من اكثر خطوط التماس حساسية بين اوروبا وافريقيا، ما يجعلهما جزءا من منظومة اوسع تشمل الهجرة غير النظامية، ومراقبة الحدود، ومكافحة الجريمة المنظمة، والتطرف العنيف، وتامين المجال البحري.
ولا تتوقف تداعيات هذه الملفات عند حدود المدينتين، بل تمتد الى العلاقات المغربية الاسبانية والى المقاربة الاوروبية لقضايا الهجرة والامن في غرب المتوسط، ولذلك فان اي تطور مرتبط بسبتة ومليلية يمكن ان يتحول من مسالة محلية الى عنصر مؤثر في حسابات اقليمية واوروبية اوسع.
ويطرح الروداني في هذا السياق سؤالا حول حدود المقاربة الامنية، فالتدابير الامنية بحسب تحليله، قد تنجح في احتواء الازمات واعادة النظام العام لفترة معينة، لكنها لا تعالج بالضرورة العوامل البنيوية التي سمحت باستمرار القضية على مدى قرون ومن ثم، ينتقل النقاش من مجرد ادارة الازمة الى ادارة واقع جيوسياسي اكثر تعقيدا.
وتتضح هذه الفكرة اكثر عند وضع سبتة ومليلية ضمن سياق العلاقات المغربية الاسبانية، فهذه العلاقات لم تعد تختزل في الملفات الخلافية، وانما تحكمها شبكة واسعة من المصالح المشتركة تشمل الامن والهجرة والتجارة والطاقة والاستثمار والاستقرار البحري والتعاون الاقليمي.
ويشير المقال الى ان المغرب بات يحتل موقعا مركزيا في عدد من الملفات التي تهم اوروبا مباشرة، خصوصا في مجالات مكافحة الارهاب والهجرة والامن البحري والطاقة والتعاون الاقتصادي، فضلا عن موقعه الاستراتيجي كبوابة نحو افريقيا، وفي المقابل تظل اسبانيا شريكا رئيسيا للمغرب داخل الفضاء الاوروبي والمتوسطي، الامر الذي يجعل ادارة الملفات الخلافية جزءا من معادلة اوسع تقوم ايضا على المصالح المتبادلة.
ومن هذه الزاوية لا يرى الروداني ان مستقبل العلاقة بين الرباط ومدريد سيتحدد فقط بمدى القدرة على معالجة نقاط الخلاف، وانما كذلك بقدرة الطرفين على ادارة هذه الخلافات دون السماح لها باختزال العلاقة الثنائية برمتها.
واللافت في هذا التحليل انه يعيد الجغرافيا الى صلب النقاش حول السيادة، فالدول تستطيع تغيير القوانين واعادة ترتيب تحالفاتها، وتوقيع الاتفاقيات، وتشديد الاجراءات الامنية، لكن الجغرافيا تظل عاملا ثابتا يفرض نفسه على اي استراتيجية طويلة المدى.
وفي حالة سبتة ومليلية، تبدو هذه الحقيقة اكثر وضوحا مدينتان تديرهما دولة اوروبية، لكنهما توجدان جغرافيا في افريقيا، وفي محيط مغربي مباشر، وعلى مقربة من واحد من اكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.
وهنا تكمن القيمة التحليلية للمقال، فهو لا يكتفي باستعادة تاريخ النزاع، بل يحاول تفسير لماذا اكتسب هذا الملف اهمية متجددة في المرحلة الراهنة فاذا كان التاريخ يفسر كيف نشأ الوضع، فان الجغرافيا تساعد على فهم لماذا اصبح اكثر حساسية في ظل التحولات التي يعرفها غرب المتوسط.
ختاما، يدفع الدكتور الشرقاوي الروداني نحو اعادة صياغة السؤال حول سبتة ومليلية، فالقضية لم تعد مجرد امتداد لنزاع تاريخي، بل اصبحت جزءا من معادلة استراتيجية تتداخل فيها السيادة والامن والهجرة والتجارة والطاقة والعلاقات المغربية الاسبانية والربط المتزايد بين اوروبا وافريقيا.
وبقدر ما يتغير غرب المتوسط وتتعمق الروابط بين ضفتيه، ستظل سبتة ومليلية نقطتي تماس في جغرافيا استراتيجية متحركة، وملفا يتجاوز حدود التاريخ ليطرح اسئلة اكثر تعقيدا حول العلاقة بين السيادة والموقع الجغرافي، وبين الارث الاستعماري ومتطلبات الواقع الجيوسياسي الجديد.












