العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
كلما برزت قضية ترتبط بالمغرب، عادت إلى الواجهة تناقضات الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري خصوصا حين يتعلق الأمر بالمبادئ التي تقدمها الجزائر باعتبارها جزءا من إرثها السياسي، وفي مقدمتها الدفاع عن ما تصفه ب”الحقوق التاريخية” ورفض الاحتلال والتمسك بمبد عدم سقوط الحقوق بالتقادم.
غير أن هذه المبادئ نفسها تبدو في الخطاب الجزائري شديدة الانتقائية عندما يتعلق الأمر بالمغرب. فالمعيار الذي يرفع باعتباره قاعدة ثابتة في قضية الصحراء، سرعان ما يتغير عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، حيث يختفي تقريبا الحديث عن الاحتلال، وتقدم المدينتان في عدد من المنابر الجزائرية باعتبارهما مدينتين “إسبانيتين”، وكأن وضعهما التاريخي والسياسي والقانوني لا يثير أي نقاش.
المفارقة هنا ليست في موقف الجزائر من المطالب المغربية بشأن المدينتين فالمغرب لا ينتظر من الجزائر أن تتبنى موقفه، ولم يجعل يوما استرجاع سبتة ومليلية قضية مرتبطة بالحصول على دعم الجزائر. المفارقة تكمن في المعيار نفسه: لماذا يصبح الاحتلال قضية مبدئية عندما يتعلق الأمر بملف يخدم الخطاب الجزائري، بينما يغيب المصطلح نفسه عندما يتعلق الأمر بأراض يطالب المغرب باسترجاعها؟
فسبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين جغرافيتين على الضفة الجنوبية للمتوسط بل مدينتان تقعان على التراب المغربي وتخضعان للإدارة الإسبانية منذ قرون. والمغرب لم يتخلّ عن مطالبته بهما، كما أن وضعهما ظل موضوعا حاضرا في النقاشات التاريخية والسياسية بين الرباط ومدريد رغم الإدارة الإسبانية الفعلية لهما اليوم.
هنا تصبح المقارنة أكثر إحراجا للخطاب الجزائري. فالجزائر تبني جزءا كبيرا من خطابها تجاه قضية الصحراء على مفردات من قبيل “تصفية الاستعمار” و”الاحتلال” و”الحقوق التاريخية”، لكنها لا تستخدم المنطق ذاته عندما يتعلق الأمر بمدينتين يربطهما المغرب بامتداده الترابي والتاريخي.
بل إن المفارقة تتجاوز الخطاب الجزائري نفسه إذ سبق أن عرفت الساحة العربية والإسلامية مواقف تعتبر سبتة ومليلية مدينتين مغربيتين واقعتين تحت السيطرة الإسبانية، وهو ما يجعل التناول الجزائري للموضوع أكثر إثارة للتساؤل، خصوصاً عندما تختار بعض منابره الإعلامية تبني التسمية الإسبانية للمدينتين من دون تقديم السياق التاريخي والسياسي للنزاع حول وضعهما.
والأكثر دلالة أن هذا الانتقائية تظهر في الاتجاه المعاكس أيضاً. فحين يتعلق الأمر بالصحراء المغربية، تقدم الجزائر نفسها باعتبارها طرفا متمسكا بمبدأ تقرير المصير، رغم أن دعمها السياسي واللوجستي لجبهة البوليساريو جعلها طرفا أساسيا في النزاع وليس مجرد مراقب خارجي.
وفي الوقت الذي اختارت فيه غالبية الدول العربية تعزيز علاقاتها مع المغرب ودعم وحدته الترابية، وافتتحت مجموعة من الدول قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة، تواصل الجزائر الدفاع عن أطروحة الانفصال وتوفير الغطاء السياسي لجبهة البوليساريو.
وهنا تحديداًيظهر السؤال الذي يصعب على الخطاب الجزائري الإجابة عنه: إذا كانت الحقوق التاريخية لا تسقط بالتقادم، فلماذا لا يكون هذا المبدأ صالحا عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟ وإذا كان الاحتلال مرفوضا من حيث المبدأ، فلماذا يصبح وصف المدينتين باعتبارهما “إسبانيتين” أمرا عاديا في الخطاب الإعلامي الجزائري؟
قد تجيب الجزائر بأن القضيتين مختلفتان، وهذا حقها السياسي، لكن الاختلاف في الملفات لا يفسر بالضرورة الاختلاف في المبادئ التي يُفترض أن تحكم المواقف.
فالمشكلة ليست في أن تتبنى الجزائر موقفا مختلفا عن المغرب؛ الخلاف السياسي مشروع. المشكلة تبدأ عندما تتحول المبادئ إلى أدوات انتقائية تستدعى حين تخدم رواية سياسية معينة، ويتم تجاوزها حين تصبح محرجة أو غير منسجمة مع الموقف المطلوب.
والمفارقة الأكبر أن الجزائر وهي التي تضع نفسها منذ عقود في موقع المدافع عن قضايا التحرر ورفض الاستعمار، تجد نفسها أمام ملف سبتة ومليلية مضطرة إلى التعامل مع واقع تاريخي وسياسي لا ينسجم بسهولة مع الصورة التي تقدمها عن نفسها.
لذلك، فإن عودة الخطاب الجزائري إلى مهاجمة المغرب بشأن قضية الصحراء، وربطها أحيانا بملفات أخرى، لا تبدو قادرة وحدها على تغيير الحقائق القائمة على الأرض أو إقناع الرأي العام الدولي، خصوصا في ظل التحولات التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة.
فالمواقف الدولية لا تحسم بكثرة الشعارات، وإنما بقدرة كل طرف على تقديم رواية منسجمة مع الوقائع والتاريخ والقانون، والأهم بقدرته على الدفاع عن المبادئ نفسها عندما تتغير هوية القضية والطرف المعني بها.
في النهاية لا يحتاج المغرب إلى شهادة من الجزائر بشأن سبتة ومليلية، كما لا يحتاج إلى أن تتبنى الجزائر مطالبه. ما تكشفه القضية، ببساطة هو سؤال أكبر من المدينتين ومن الخلاف المغربي الجزائري نفسه:
هل الحقوق التاريخية مبدأ ثابت لا يتغير بتغير الأطراف، أم شعار سياسي يرفع عندما يخدم الرواية ويُطوى عندما يصبح عبئاً عليها؟ ذلك هو السؤال الذي يظل مفتوحا أمام الخطاب الجزائري، كلما عاد إلى الحديث عن التاريخ والاحتلال والحقوق.












