العيون الآن
يوسف بوصولة
تحمل الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني إلى المغرب غدا الخميس رسائل سياسية ودبلوماسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية التقليدية، في ظل مؤشرات متزايدة على تحول محتمل في موقف دمشق من قضية الصحراء المغربية، بعد عقود من الاصطفاف السوري إلى جانب جبهة البوليساريو خلال فترة حكم نظام البعث بقيادة حافظ الأسد ثم بشار الأسد.
تأتي هذه الزيارة في سياق إقليمي مختلف كليا عن السنوات الماضية، بعدما دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة عقب سقوط نظام بشار الأسد نهاية سنة 2024، وهو ما فتح الباب أمام إعادة رسم خريطة التحالفات الإقليمية ومراجعة عدد من الملفات الحساسة التي ارتبطت بسياسات النظام السابق، وعلى رأسها العلاقة مع الجزائر والبوليساريو.
من المرتقب أن يجري الشيباني مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ناصر بوريطة، تتمحور حول تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي والاقتصادي بين البلدين، إلى جانب بحث سبل تفعيل التفاهمات التي تم التوصل إليها خلال الاتصالات الأخيرة بين الرباط ودمشق.
لكن البعد الأكثر حساسية في هذه الزيارة يظل مرتبطا بإمكانية إعلان تحول رسمي في الموقف السوري من ملف الصحراء المغربية، خاصة أن النظام السوري السابق كان من أبرز الداعمين للأطروحة الانفصالية داخل المحافل الدولية في انسجام واضح مع الأجندة الجزائرية والإيرانية بالمنطقة.
خلال سنوات الحرب السورية وصلت العلاقات المغربية السورية إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر، بعدما اختار المغرب منذ سنة 2011 الاصطفاف إلى جانب مطالب الشعب السوري ودعم المعارضة السورية سياسيا ودبلوماسيا، وهو الموقف الذي توج باحتضان مدينة مراكش سنة 2012 لمؤتمر “أصدقاء الشعب السوري”، الذي شكل آنذاك إحدى أقوى الضربات الدبلوماسية لنظام بشار الأسد.
ذلك المؤتمر، الذي شاركت فيه أكثر من 120 دولة، منح المعارضة السورية اعترافا سياسيا واسعا، وكرس صورة المغرب كفاعل عربي داعم لمسار الانتقال السياسي في سوريا، وهو ما دفع النظام السوري حينها إلى مهاجمة الرباط داخل أروقة الأمم المتحدة، عبر التلميح إلى قضية الصحراء المغربية في أكثر من مناسبة.
لم يكن الدعم السوري للبوليساريو مجرد موقف سياسي عابر، بل ارتبط وفق تقارير ومعطيات ظهرت بعد سقوط النظام بشبكات تنسيق أمني وعسكري مع إيران وقيادات من الجبهة الانفصالية، حيث تحدثت تقارير متطابقة عن وجود تدريبات لعناصر مرتبطة بالبوليساريو داخل الأراضي السورية بدعم من الحرس الثوري الإيراني.
كما كشفت شخصيات سورية معارضة وتقارير إعلامية غربية عن توقيف عناصر محسوبة على البوليساريو خلال العمليات العسكرية التي شهدتها مدن سورية خصوصا في شمال البلاد، وهو ما أعاد فتح النقاش داخل الولايات المتحدة وأوروبا بشأن طبيعة ارتباط الجبهة بمحاور إقليمية متهمة بدعم جماعات مسلحة وزعزعة الاستقرار.
وفي هذا السياق برزت خلال الأشهر الأخيرة مواقف أمريكية أكثر تشددا تجاه البوليساريو، خاصة بعد تصريحات للنائب الأمريكي جو ويلسون تحدث فيها عن علاقات الجبهة بإيران وروسيا وكوبا، معتبرا أنها تمثل تهديدا مباشرا للاستقرار الإقليمي ولمصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة.
يرى مراقبون أن دمشق الجديدة تدرك اليوم أن استمرار الإرث السياسي لنظام الأسد في ملف الصحراء لم يعد ينسجم مع التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة، خاصة في ظل التراجع الواضح للمحور الإيراني، وتصاعد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، مقابل تآكل الخطاب الانفصالي داخل المنتظم الدولي.
كما يعتبر متابعون أن أي إعلان سوري رسمي بدعم الوحدة الترابية للمملكة أو مراجعة الموقف السابق من البوليساريو، سيشكل ضربة سياسية ودبلوماسية قوية للجبهة الانفصالية وللدبلوماسية الجزائرية، التي فقدت خلال السنوات الأخيرة عددا من حلفائها التقليديين داخل العالم العربي والإفريقي.
وفي حال مضت دمشق في هذا الاتجاه فإن ذلك لن يكون مجرد تحول ثنائي في العلاقات المغربية السورية، بل مؤشرا على نهاية مرحلة إقليمية كاملة، عنوانها سقوط آخر القلاع العربية التي ظلت توفر غطاء سياسيا لأطروحة البوليساريو لعقود طويلة.











