دخول قانون المسطرة الجنائية المعدل حيز التنفيذ… إصلاح تشريعي بطموح كبير وأسئلة عميقة حول الحريات والعدالة

محرر مقالات8 ديسمبر 2025
دخول قانون المسطرة الجنائية المعدل حيز التنفيذ… إصلاح تشريعي بطموح كبير وأسئلة عميقة حول الحريات والعدالة

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

دخل القانون رقم 03.23 المتعلق بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ، بعد مسار تشريعي طويل انتهى بالمصادقة البرلمانية ونشر النص في الجريدة الرسمية. وبمجرد دخوله حيز التطبيق، أعاد هذا الورش التشريعي فتح نقاش واسع داخل الأوساط الحقوقية والقانونية حول مدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق والحريات.

 

في خلفية هذا النقاش يبرز اعتقاد عام أن المغرب يوجد في لحظة مفصلية لإعادة بناء العدالة الجنائية بما ينسجم مع مطالب العصر وتحدياته، خصوصا مع تعاظم الانتظارات الشعبية بشأن حماية الحقوق الفردية وتعزيز ثقة المواطنين في منظومة العدالة، وتطوير أداء المؤسسات المكلفة بإنفاذ القانون. ومع ذلك، تتجه الخلاصات الحقوقية والقانونية إلى أن نجاح هذا القانون سيظل رهينا بآليات تنزيله أكثر من كونه رهينا بالنصوص نفسها، وهو ما يستدعي تخطيطا مؤسساتيا محكما يضمن فعالية الإصلاح لا شكليته.

 

الديباجة المعدلة للقانون حملت بالفعل نفسا جديدا، بمرجعيات دستورية وحقوقية أوسع مقارنة بالنص الأصلي لسنة 2003. وهذا تطور مهم لأنه يعلن بوضوح توجه السياسة الجنائية نحو استحضار مبادئ الدستور والاتفاقيات الدولية. لكن التقييم الحقوقي يرى أن الديباجة رغم تطورها، لم تصل بعد إلى جعل مركزية الحقوق والحريات قاعدة ملزمة تحكم فلسفة النص وممارسته اليومية.

 

أحد أبرز الإشكالات التي تثير الجدل يتعلق بإجراءات الحراسة النظرية فالنص الجديد لم يحسم إشكالا عمليا بالغ الحساسية:

عندما يعتقل شخص مبحوث عنه خارج نفوذ النيابة العامة صاحبة الأمر، من أين تبدأ مدة الحراسة النظرية؟

هل من لحظة الاعتقال؟ أم من لحظة التسليم؟

وماذا عن الساعات التي يقضيها الشخص لدى الشرطة التي اعتقلته؟

 

هذه الأسئلة لا تمثل مجرد تفاصيل تقنية، بل تتعلق مباشرة بحقوق الفرد أثناء توقيفه، وتحديد ما إذا كان التشريع يوفر ضمانات كافية لمنع أي تعسف محتمل.

 

الاعتقال الاحتياطي، الذي يشكل واحدة من أكثر النقاط حساسية في المسطرة الجنائية، عاد هو الآخر إلى الواجهة. القراءة الحقوقية تؤكد ضرورة معالجة هذا الورش بمقاربة شمولية تنسجم مع الفصل الدستوري الذي يكرس قرينة البراءة ومع التزامات المغرب الدولية، خصوصا ما يتعلق بالحد من اللجوء المفرط للاعتقال أثناء البحث وضمان حق الطعن فيه.

 

أولى الخلافات الصلبة ظهرت حين منحت النيابة العامة وحدها صلاحية تحريك الدعاوى المتعلقة بالمال العام، مقابل سحب هذه الإمكانية من الجمعيات المتخصصة. التقييم الحقوقي يرى أن هذا التغيير قد يفرغ الرقابة المدنية من محتواها، ويضيق هامش الدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني في حماية المال العام، مع ما قد يترتب عن ذلك من تأثيرات على استقلال القضاء وعلى وظيفة المحاسبة.

 

حجم التعديلات التي طالت القانون أكثر من 400 مادة يدفع عددا من المتابعين إلى اعتبار أن الإصلاح الجزئي لم يعد كافيا، وأن المغرب يحتاج إلى نص جديد ومتكامل للمسطرة الجنائية، يضمن الانسجام التشريعي ويوفر رؤية موحدة قادرة على مواجهة المعضلات العملية المتنامية في منظومة العدالة.

 

التقييم الحقوقي يشدد كذلك على الحاجة لاعتماد مساطر خاصة للتعامل مع الجرائم المبنية على النوع الاجتماعي، تضمن حماية الضحايا خصوصا النساء والأطفال منذ لحظة تقديم الشكاية، مع احترام الخصوصية والكرامة وسرية المعطيات.

 

الورش الرقمي الذي يراهن عليه لتحديث العدالة وتسريع الإجراءات وتقوية الشفافية، يحتاج بدوره إلى رؤية واضحة، تشمل استعمال السجل الاجتماعي الموحد لتحديد المستفيدين من المساعدة القضائية، وتكوين القضاة ورجال الضبط والإدارة القضائية، والانفتاح على أدوات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لرفع جودة الأحكام والمساطر.

 

في المحصلة يدخل القانون 03.23 حيز التنفيذ في سياق وطني متوتر بين طموح تحديث منظومة العدالة ومتطلبات حماية الحقوق والحريات. وبين نص قانوني موسع وانتظارات مجتمعية مرتفعة، سيظل الامتحان الحقيقي في كيفية التنزيل، وفي قدرة المؤسسات على تحويل النصوص إلى ضمانات ملموسة يشعر بها المتقاضون في حياتهم اليومية.

 

هذا الورش بحجمه وتعقيداته، يكشف أن العدالة الجنائية لم تعد شأنا قانونيا صرفا، بل أصبحت رهانا سياسيا وحقوقيا يختبر نضج الدولة ومؤسساتها في لحظة تحول واسعة.

الاخبار العاجلة