العيون الآن
يوسف بوصولة
في ظل تصاعد الأزمات الأمنية والسياسية التي تعصف بعدد من بلدان الساحل وغرب إفريقيا، تحولت العاصمة السنغالية داكار إلى منصة للنقاش حول مستقبل المدافعات عن حقوق الإنسان، وذلك خلال مشاورات مؤسسية رفيعة المستوى نظمتها شبكة النساء القياديات من أجل التنمية (RFLD)، بمشاركة مفوضية الاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب وعدد من الشركاء الدوليين وممثلي المجتمع المدني.
اللقاء الذي انعقد تحت شعار “التضامن والحماية وإرث النضال” جمع عشرات المدافعات عن حقوق الإنسان وخبراء ومسؤولين من مختلف بلدان المنطقة، في محاولة لتشخيص التحديات المتزايدة التي تواجه النساء الناشطات في المجال الحقوقي، خاصة في فضاء الساحل والصحراء الذي يشهد تحولات سياسية متسارعة وتفاقما للتهديدات الأمنية.
وفي مداخلة لافتة أكد الأستاذ ريمي نغوي لومبو المقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان لدى مفوضية الاتحاد الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، أن القارة الإفريقية راكمت خلال السنوات الأخيرة ترسانة قانونية متقدمة لحماية الحقوق والحريات، مستشهدا ببروتوكول مابوتو وعدد من القرارات الصادرة عن المفوضية الإفريقية.
غير أن المسؤول الإفريقي شدد على أن الإشكال الحقيقي لم يعد مرتبطا بغياب النصوص القانونية، بل بصعوبة تنزيلها على أرض الواقع، موضحاً أن العديد من الدول التي تعيش أوضاعا انتقالية أو أزمات أمنية لا تزال تفتقر إلى آليات وطنية فعالة قادرة على حماية المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان.
وشكل الوضع الأمني في منطقة الساحل محورا رئيسيا في أشغال المشاورات، حيث حذر المتدخلون من التداعيات المتنامية لانتشار الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية على أوضاع حقوق الإنسان، في ظل تراجع هامش الحريات المدنية وتزايد الضغوط على الفاعلين الحقوقيين.
وفي هذا السياق أشار ناجي مولاي لحسن مدير المنظمة المستقلة لحقوق الإنسان في الساحل وشمال إفريقيا، إلى أن المنطقة تواجه واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في تاريخها الحديث، مع وجود ما يقارب 3.7 ملايين نازح داخلي، الأمر الذي يضاعف هشاشة الفئات الاجتماعية ويزيد من صعوبة عمل المدافعين عن الحقوق الأساسية.
وأوضح المتحدث أن النساء المدافعات عن حقوق الإنسان أصبحن من أكثر الفئات عرضة للتهديدات والترهيب، سواء من قبل الجماعات المتطرفة أو في بعض السياقات السياسية التي تشهد تضييقا على الفضاء المدني، لافتا إلى تنامي استخدام بعض القوانين الاستثنائية المرتبطة بمكافحة الإرهاب لتقييد حرية التعبير والعمل الحقوقي.
كما سلطت النقاشات الضوء على ظاهرة جديدة آخذة في الاتساع، تتمثل في العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، والذي يستهدف بشكل خاص النساء الناشطات في المجال العام، عبر حملات تشهير ومضايقات إلكترونية ترمي إلى إسكات الأصوات النسائية وإبعادها عن دوائر التأثير وصناعة القرار.
وعلى المستوى الدولي أكدت السويد وألمانيا مواصلة دعمهما للمبادرات الهادفة إلى تعزيز حماية المدافعات عن حقوق الإنسان في إفريقيا. وأبرزت السفيرة السويدية كاثارينا كابلين أهمية المبادرات الموجهة لحماية الفضاء المدني الرقمي، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة التي تواجهها النساء على شبكات التواصل والمنصات الإلكترونية.
من جهتها استعرضت الجهات الألمانية الداعمة للمشاريع الحقوقية والنسوية في غرب إفريقيا برامجها الرامية إلى تعزيز قدرات الحركات النسائية وتوفير آليات أكثر فعالية للدفاع عن الحقوق والحريات في المنطقة.
واختتمت المشاورات بدعوات صريحة إلى تعزيز التنسيق بين المؤسسات القارية ومنظمات المجتمع المدني، وإحداث آليات حماية أكثر تخصصا للمدافعات عن حقوق الإنسان، خصوصا في البيئات الهشة التي تشهد أزمات أمنية أو انتقالات سياسية معقدة، إلى جانب تطوير أنظمة للتوثيق والرصد تسمح بمساءلة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات وتوفير معطيات دقيقة تدعم جهود المناصرة على المستويين الوطني والإفريقي.
تعكس مخرجات لقاء داكار حجم التحديات التي تواجهها المدافعات عن حقوق الإنسان في إفريقيا، لكنها تكشف أيضا عن تنامي الوعي القاري والدولي بضرورة توفير حماية أكبر للنساء اللواتي يقفن في الصفوف الأمامية للدفاع عن الحقوق والحريات في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيدا.











