العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
وضعت شركة الاتصالات الفرنسية “أورانج” لوحة إعلانية على الطريق السيار الإسباني AP-7، في الاتجاه الرابط بين إلتشي وفالنسيا، تتضمن خريطة للمغرب بحدوده التي تشمل الصحراء المغربية في خطوة أثارت احتجاج جبهة البوليساريو، التي طالبت بسحب الإعلان أو تغييره.
تروج اللوحة لخدمات الاتصالات والبيانات الخاصة بالمسافرين المتوجهين إلى المغرب، مستفيدة من موقعها على أحد المحاور الطرقية التي تعرف حركة مرور كثيفة في شرق إسبانيا. ووفق بيانات رسمية لوزارة النقل الإسبانية، يسجل أحد مقاطع الطريق السيار AP-7 في مقاطعة أليكانتي الممتد على نحو 28 كيلومترا، متوسط حركة يومية يبلغ حوالي 25 ألف مركبة، من بينها 11.7 في المائة من المركبات الثقيلة.
تحولت الخريطة المستخدمة في الإعلان إلى مصدر انزعاج بالنسبة إلى جبهة البوليساريو، التي سارعت إلى الاحتجاج لدى الشركة الفرنسية، مطالبة باستبدالها بخريطة لا تشمل الصحراء ضمن التراب المغربي.
ونقلت صحيفة “بوبليكو” الإسبانية عن عبد الله عربي الذي تقدمه الجبهة ممثلا لها في إسبانيا انتقاده للإعلان، معتبرا أن إدراج الصحراء ضمن خريطة المغرب يمثل وفق رواية الجبهة مخالفة للقانون الدولي، كما استند إلى أحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الصادرة في أكتوبر 2024 بشأن الاتفاقيات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
غير أن اللافت في هذه القضية لا يرتبط فقط بمضمون الإعلان، وإنما أيضا بغياب أي تدخل رسمي إسباني معلن بشأنه. فلم تعلن السلطات الإسبانية المختصة عن قرار بسحب اللوحة أو تغييرها، كما لم يصدر وفق المعطيات المتاحة موقف رسمي يعترض على الخريطة التي اعتمدتها الشركة الفرنسية في حملتها الإعلانية.
يأتي ظهور الخريطة بهذا الشكل في إسبانيا في سياق التحول الذي عرفه الموقف الرسمي لمدريد من قضية الصحراء منذ مارس 2022، عندما أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها “الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية” لتسوية النزاع.
ومنذ ذلك الحين انتقلت العلاقات المغربية الإسبانية إلى مرحلة جديدة شملت ملفات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، مع استمرار الحكومة الإسبانية في التأكيد على موقفها من مقترح الحكم الذاتي.
وبهذا المعنى فإن عدم ظهور اعتراض رسمي إسباني على الإعلان لا يشكل، في حد ذاته إعلانا سياسيا جديدا بشأن وضع الصحراء، لكنه يأتي منسجما مع السياق العام للموقف الإسباني الذي عرف تحولا واضحا خلال السنوات الأخيرة.
كما أن دلالة الإعلان تتجاوز الشركة المعلنة نفسها بالنظر إلى أن “أورانج” شركة فرنسية تعمل في السوق الإسبانية، ما يجعل ظهور خريطة المغرب بصحرائه في حملة موجهة إلى مستخدمي طريق إسباني نقطة تقاطع بين التحولات السياسية والدبلوماسية وبين الممارسات التجارية اليومية للشركات الأوروبية.
ويكشف رد فعل الجبهة في المقابل عن حساسية متزايدة تجاه أي ظهور بصري أو تجاري لخريطة المغرب تشمل الصحراء، خصوصا في الدول الأوروبية التي شهدت مواقفها السياسية تحولات متتالية لصالح المبادرة المغربية.
فبعدما كان الصراع يتركز أساسا داخل المؤسسات السياسية والأمم المتحدة، أصبحت الخرائط المستخدمة في الإعلانات والمنتجات والخدمات التجارية نفسها محل اعتراض من جانب البوليساريو، باعتبارها تؤثر في الطريقة التي يتم بها تقديم المغرب للمستهلك والجمهور.
تأتي هذه الواقعة في وقت تواجه فيه الجبهة سياقا دبلوماسيا أكثر صعوبة داخل عدد من العواصم الغربية، بعدما أعلنت الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وألمانيا بدرجات وصيغ مختلفة، مواقف داعمة أو أكثر قربا من المقترح المغربي للحكم الذاتي، فيما اتجه الموقف البريطاني أيضا إلى الاقتراب من الرؤية المغربية.
وفي يوليوز 2024 أعلنت فرنسا أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية، معتبرة أن مقترح الحكم الذاتي المغربي يمثل “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتفاوض بشأنه في إطار قرارات مجلس الأمن.
وتبرز واقعة إعلان “أورانج” أن قضية الصحراء لم تعد تتحرك فقط داخل البيانات الحكومية واللقاءات الدبلوماسية، وإنما أصبحت تظهر أيضا في مجالات اقتصادية وتجارية وإعلانية مرتبطة بالسوق الأوروبية.
في المقابل فإن احتجاج البوليساريو على لوحة إعلانية لشركة اتصالات يعكس حجم الحساسية التي باتت توليها الجبهة لكل تمثيل بصري للصحراء باعتبارها جزءا من المغرب، ومحاولتها مواجهة هذه التمثيلات حتى خارج المجال السياسي المباشر.
وبينما تواصل الرباط تعزيز حضور خريطة المغرب بصحرائه في محيطها الاقتصادي والتجاري والدبلوماسي، تجد البوليساريو نفسها أمام واقع جديد يجعل معركتها لا تقتصر على تغيير مواقف الحكومات، بل تمتد إلى محاولة منع اعتماد الخريطة المغربية في الحملات والخدمات التجارية داخل الدول الأوروبية.












