حين بدا توزيع الغنائم قبل أن تفتح صناديق الاقتراع

محرر مقالات29 أغسطس 2026
حين بدا توزيع الغنائم قبل أن تفتح صناديق الاقتراع

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

هذه المرة لم يكن صوت الجرار وحده هو المرتفع… كان صوته في مخيلي على الأقل مخيفا إلى درجة جعلت الحمام يحلق هاربا من مصيره المحتوم…

 

تسجيل صوتي نسب إلى رشيد الطالبي العلمي رئيس مجلس النواب وعضو المجلس الوطني للتجمع الوطني للأحرار، فتح فجأة نافذة على أشياء أكبر من مجرد خلاف بين حليفين داخل الأغلبية .

 

فالحديث كما ورد في التسجيل المتداول لم يكن فقط عن انتقال أعيان ومنتخبين من الحمامة إلى تراكتور بل وصل إلى الحديث عن من يستحق ماذا بعد الانتخابات، ومن سيحصل على هذه الحقيبة أو تلك، ومن لن يرى وزارة الاقتصاد والمالية ولو جاء حزبه في المرتبة الثانية.

 

هنا بصراحة توقفت قليلا مستفهما: الانتخابات لم تبدأ بعد… لكن بعض الكراسي يبدو أنها بدأت تتحرك من مكانها.

 

كنا ننتظر أن يكون موعد شتنبر محطة لاختيار البرامج وتجديد النخب، ومنح الشرعية لمن يملك مشروعا مقنعا للمغاربة. وإذا بنا أمام حرب مبكرة حول النفوذ واستقطاب الأعيان، وترتيب مواقع ما بعد الانتخابات.

 

هنا لا أتحدث عن «الاحرار او الاصالة المعاصرة وحدها، لأن المشكلة أعمق من الحزبين. المشكلة في ثقافة سياسية يصبح فيها استقطاب الأعيان فضيلة عندما يخدم الحزب وخطيئة عندما يخدم المنافس.

 

فإذا كان انتقال المنتخبين والأعيان من حزب إلى آخر أصبح جريمة سياسية عندما يستعمله الخصم، فلماذا يصبح “استقطاب الكفاءات” عندما يوظفه الحزب نفسه؟

 

هذه الازدواجية هي التي تجعل المواطن يتساءل: هل نحن أمام تنافس على البرامج، أم أمام سوق سياسية مفتوحة قبل أن تفتح صناديق الاقتراع أبوابها؟ او كما يحب البعض تسمية بالمركاتو الانتخابي.

 

أما حكاية وزارة الاقتصاد والمالية، فهي وحدها تستحق التوقف مليا لأن الأمر هنا لا يتعلق بحقيبة عادية. إنها واحدة من أكثر الوزارات تأثيرا في البلاد والعباد: الميزانية، الضرائب، الاستثمار، الديون، تمويل السياسات العمومية… لذلك فإن الصراع حول من يمسك مفاتيحها ليس تفصيلا صغيرا في لعبة تشكيل الحكومة. كما أن دخول الوافد الجديد ابن بركان إلى صفوف الجرار، وهو أصلا وزير منتدب تكنوقراطي مكلف بالميزانية يجعل المعادلة أكثر حساسية.

 

فالرجل لا يدخل المنافسة من خارج الملعب السياسي وإن كان حديث عهد بها؛ إنه يعرف دهاليز المالية العامة، ويملك تجربة حكومية ويحمل معه وزنا رياضيا شعبيا وسياسيا متزايدا.

 

ولذلك عندما يصبح السؤال: من سيجلس على كرسي المالية بعد الانتخابات؟ قبل أن تفرز الصناديق عن نتائج الاستحقاقات، يصبح من المشروع أن نسأل: هل بدأنا نتحدث عن نتائج الانتخابات قبل أن يصوت المغاربة؟

 

والأخطر من ذلك ما ورد في التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي من حديث عن “الترهيب والترغيب” واستعمال النفوذ المرتبط بالمالية لاستقطاب المنتخبين.

 

إذا كان ما ورد في التسجيل صحيح، فهل نحن أمام استقطاب سياسي مشروع، أم أمام اتهام باستعمال النفوذ العمومي في المنافسة الانتخابية؟ سؤال لا ينبغي أن تجيب عنه بيانات حزبية متبادلة، بل المعطيات والتحقق والمؤسسات والقانون.

 

ثم جاءت بنت الصالحين من والوافد الجديد من بركان، ليرفعا سقف المواجهة، في خطاب مضاد يعيد المعركة إلى القدرة الشرائية و”فراقشية” المواشي ونتائج السياسات العمومية. وهنا أيضا لا ينبغي أن نبتلع الخطاب جاهزا.

 

فالسياسة لا تصبح أنظف لمجرد أن أحد أطرافها تحدث عن “الجدية والعمل والإخلاص” كما أنها لا تصبح أكثر فسادا لمجرد أن خصمه تحدث عن “الغنائم”. المعيار الحقيقي الوحيد هي الحصيلة الحكومية التي يشتركان فيها.

 

المواطن لا يريد أن يعرف فقط من ركب الجرار ومن بقي داخل الحمامة ومن حمل حقيبة المالية. يريد أن يعرف من سيخفض كلفة حياته، من سيحمي ماله العام، من سيخلق فرص العمل، ومن سيقدم له سياسة عمومية يشعر بنتائجها في بيته وسوقه وشارعه.

 

ومع ذلك يبقى في هذه القصة شيء سياسي مثير للتأمل. مكيافيلي الذي قرأ السياسة ببرود شديد كان يرى أن الصراع على السلطة لا تحكمه دائما الشعارات التي ترفعها النخب، بل المصالح والقوة وحسابات النفوذ.

 

لكن الديمقراطية الحديثة جاءت لتقول شيئا أخر: السلطة ليست غنيمة، والانتخابات ليست طريق للوصول إلى الكراسي.

 

لهذا أخشى أن تتحول انتخابات شتنبر من موعد لاختيار من يحكم وكيف سيحكم إلى معركة لمعرفة من سيربح اكبر نسبة من الغنائم.

 

لا يحق للاحرار أن يشتكي اليوم من “الترحال” إذا كانت ذاكرة الانتخابات السابقة تحفظ جيد قصص استقطاب الأعيان والمنتخبين.

 

ولا يحق للاصالة والمعاصرة أن يقدم نفسه كملاكا سياسيا لمجرد أنه استفاد اليوم من انتقال أسماء وازنة إلى صفوفه.

 

في نهاية المواطن يجب أن يبقى خارج هذه المتاهات كلها، فهو لم يمنح أحدا تفويضا لتوزيع الوزارات ولم يقل لأحد: هذه وزارة المالية لك وتلك لغيرك. صناديق الاقتراع وحدها تملك الكلمة الأولى… وبعدها لكل حادث حديث.

 

أما أن تبدأ حرب العروش والوزارات قبل أن يبدأ العرس الديمقراطي، فهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل: هل نحن ذاهبون إلى انتخابات لاختيار حكومة… أم إلى انتخابات لاختيار من سيقتسم الحكومة

الاخبار العاجلة