العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
أسدل مجلس النواب يوم أمس الاثنين الستار على الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026)، منهيا
خمس سنوات من العمل البرلماني اتسمت بورش تشريعي غير مسبوق رافق تنزيل عدد من الإصلاحات الكبرى التي أطلقتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ورش الدولة الاجتماعية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين مناخ الاستثمار، وإصلاح منظومة العدالة، وتطوير الإطار القانوني لعدد من القطاعات الاستراتيجية.
وبينما قدمت رئاسة مجلس النواب حصيلة رقمية اعتبرتها تعكس دينامية المؤسسة التشريعية، يرى باحثون في القانون الدستوري والعلوم السياسية أن تقييم هذه المرحلة لا ينبغي أن يختزل في عدد القوانين المصادق عليها أو حجم الأسئلة الرقابية، بل يجب أن ينطلق من سؤال أكثر عمقا يتعلق بمدى قدرة البرلمان على إنتاج تشريعات ذات جودة، ومدى انعكاسها على السياسات العمومية وتحسين حياة المواطنين.
في كلمته بمناسبة اختتام الدورة الثانية من السنة التشريعية الخامسة كشف رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي، أن المجلس صادق خلال الولاية التشريعية على 237 مشروع قانون في 128 جلسة تشريعية، موضحا أن أكثر من 60 في المائة من هذه النصوص حظيت بإجماع مختلف مكونات المجلس، بينما تندرج أكثر من ربع القوانين المصادق عليها ضمن القوانين التأسيسية.
وأوضح أن النواب البرلمانيين تقدموا بأكثر من 14 ألف تعديل على مشاريع القوانين، تم اعتماد أكثر من 2700 تعديل منها، كما أحيل 65 مقترح قانون على المسطرة التشريعية من أصل أكثر من 400 مقترح تقدم به أعضاء المجلس، معتبرا أن هذه المعطيات تعكس مساهمة المؤسسة التشريعية في صناعة القاعدة القانونية وتعزيز التوافق حول القضايا الكبرى.
كما سجل المجلس خلال الولاية نفسها برمجة ومناقشة 3991 سؤالا شفويا فيما تجاوز عدد الأسئلة الكتابية 32 ألف سؤال، أجابت الحكومة عن نحو 62 في المائة منها، إضافة إلى عقد أكثر من 130 اجتماعا للجان الدائمة، وإنجاز خمس عمليات لتقييم السياسات العمومية والترخيص لـ12 مهمة استطلاعية.
ورغم أهمية هذه الأرقام فإن عددا من المختصين يعتبرون أنها تمثل نقطة الانطلاق فقط، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو جودة التشريع ونجاعة الرقابة ومدى تحقيق هذه النصوص للأهداف التي وضعت من أجلها.
يرى الباحث في القانون العام والعلوم السياسية الدكتور لخليفة ابيه أن الولاية التشريعية الحالية جاءت في سياق استثنائي، ارتبط باستكمال تنزيل مجموعة من الأوراش الملكية الكبرى، وهو ما فرض إنتاج ترسانة قانونية واسعة همت مجالات اجتماعية واقتصادية واستثمارية وقضائية.

وأوضح في تصريح لـ”العيون الآن”، أن تقييم الحصيلة التشريعية “لا يمكن أن يتم بمنطق الأرقام وحدها، لأن نجاح البرلمان لا يقاس بعدد القوانين التي يصادق عليها، وإنما بقدرته على إنتاج قواعد قانونية مستقرة وفعالة تستجيب للتحولات التي يعرفها المغرب، وتترجم الاختيارات الدستورية التي جاء بها دستور 2011”.
وأضاف أن دستور 2011 منح البرلمان اختصاصات تشريعية واسعة، وجعل من السلطة التشريعية شريكا أساسيا للحكومة في صناعة القانون، غير أن الممارسة خلال هذه الولاية أظهرت استمرار هيمنة المبادرة الحكومية على الإنتاج التشريعي، مقابل حضور محدود نسبيا لمقترحات القوانين البرلمانية، رغم أن الدستور كرس مبدأ تقاسم المبادرة التشريعية بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
وأكد أن هذه المرحلة تميزت بإخراج عدد من القوانين المؤسسة، التي ارتبطت مباشرة بتنزيل التوجيهات الملكية، وفي مقدمتها القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، وميثاق الاستثمار، وقانون العقوبات البديلة، إلى جانب إصلاحات همت المسطرة المدنية والتنظيم القضائي، وهي نصوص شكلت بحسبه الإطار القانوني الضروري لتنزيل مشروع الدولة الاجتماعية وتحسين مناخ الاستثمار.
وأشار إلى أن ميثاق الاستثمار يمثل أحد أبرز هذه الإصلاحات لأنه اعتمد لأول مرة مقاربة تراعي العدالة المجالية، وتوجه التحفيزات نحو الجهات الأكثر حاجة إلى الاستثمار، بما ينسجم مع الرؤية الملكية الرامية إلى تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف جهات المملكة، وخاصة الأقاليم الجنوبية التي أصبحت تحتل موقعا محوريا ضمن النموذج التنموي الجديد.
وفي المقابل سجل الباحث لخليفة ابيه أن عددا من النصوص القانونية أثار نقاشا واسعا داخل البرلمان وخارجه، خصوصا مشاريع القوانين المرتبطة بالمسطرة المدنية وبعض المهن القضائية، معتبرا أن هذا الجدل يعكس حيوية النقاش الديمقراطي، لكنه يكشف أيضا عن الحاجة إلى تطوير منهجية إعداد القوانين، وتعزيز المقاربة التشاركية، وإشراك الجامعات والخبراء والهيئات المهنية والمجتمع المدني في مختلف مراحل صناعة التشريع.
وأضاف أن إحالة بعض القوانين على المحكمة الدستورية قبل دخولها حيز التنفيذ لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مؤشرا على ضعف الصناعة التشريعية، بل تمثل دليلا على نضج التجربة الدستورية المغربية، وتجسيدا لمبدأ سمو الدستور، ودورا أساسيا للمحكمة الدستورية في ضمان الأمن القانوني والقضائي.
واعتبر أن المرحلة المقبلة تستوجب الانتقال من منطق كثافة الإنتاج التشريعي إلى منطق جودة التشريع، من خلال تعزيز المبادرة البرلمانية، والاعتماد على دراسات الأثر، وإشراك مختلف الفاعلين والخبراء، حتى تصبح القوانين أكثر قدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التنمية.

من جهتها اعتبرت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية الدكتورة مريم ابليل، أن اختتام الولاية التشريعية يشكل محطة دستورية مهمة لتقييم أداء البرلمان، غير أن هذا التقييم بحسبها “لا ينبغي أن يبقى رهين لغة الأرقام، بل يجب أن ينطلق من مدى انعكاس التشريع والرقابة على حياة المواطنين وجودة السياسات العمومية”.
وقالت في تصريح لـ”العيون الآن”، إن الحديث عن مئات القوانين وآلاف الأسئلة البرلمانية لا يكفي للحكم على نجاح المؤسسة التشريعية، لأن الغاية من البرلمان ليست إنتاج النصوص القانونية فقط، وإنما إنتاج قوانين تستجيب لحاجيات المجتمع وتحقق أثرا ملموسا في الواقع.
وتوقفت الباحثة عند معطى اعتماد نحو 2700 تعديل فقط من أصل أكثر من 14 ألف تعديل تقدم بها النواب، معتبرة أن رفض ما يقارب 81 في المائة من التعديلات يثير تساؤلات حول مدى تجاوب الحكومة مع السلطة التشريعية، سواء تعلق الأمر بمقترحات الأغلبية أو المعارضة، وهو ما ينعكس بحسبها على جودة النقاش التشريعي وتعددية صناعة القانون.
وأضافت أن تطوير العمل التشريعي يقتضي منح التعديلات البرلمانية قيمة أكبر داخل مسار إعداد القوانين، بما يعزز دور المؤسسة التشريعية كشريك حقيقي في صناعة القرار التشريعي، وليس مجرد فضاء للمصادقة على المبادرات الحكومية.
وعلى المستوى الرقابي ترى الدكتورة مريم ابليل أن الأرقام المسجلة لا تعكس بالضرورة نجاعة الرقابة البرلمانية، مشيرة إلى أن نسبة تجاوب الحكومة مع الأسئلة الكتابية التي بلغت حوالي 62 في المائة تبقى دون المستوى المطلوب.
وأوضحت أن الأسئلة الكتابية لا ترتبط بجلسات عامة أو مواعيد زمنية معقدة، كما أن إعداد أجوبتها يتم داخل الإدارات الوزارية، الأمر الذي يجعل بلوغ نسب أعلى من التفاعل أمرا ممكنا، مؤكدة أن احترام الآجال الدستورية في هذا المجال يعد أحد مؤشرات جودة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
كما سجلت أن من أبرز الإشكالات التي برزت خلال هذه الولاية استمرار تداخل الدور الرقابي مع منطق المساندة السياسية، حيث يتحول عدد من نواب الأغلبية في كثير من الأحيان، إلى مدافعين عن الحكومة بدل ممارسة الرقابة عليها، معتبرة أن هذا الوضع يرتبط بطبيعة الانضباط الحزبي وهيمنة قرارات الفرق البرلمانية على المواقف الفردية للنواب.
ومن زاوية تقييم الأثر العام لهذه الولاية يرى أستاذ العلوم السياسية الدكتور عباس الوردي أن الحصيلة البرلمانية لا يمكن فصلها عن الحصيلة الحكومية، باعتبار أن المؤسسة التشريعية واكبت تنزيل عدد من الإصلاحات الكبرى التي مست مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضح في تصريح لـ”العيون الآن”، أن البرلمان ساهم في إخراج منظومة تشريعية واكبت تطوير الاقتصاد الوطني، ودعمت الاستثمار العمومي وأطرت إصلاحات اجتماعية مهمة، من أبرزها قانون الإضراب، إلى جانب النصوص القانونية التي صاحبت تدبير آثار جائحة كورونا والتقلبات الاقتصادية الدولية، والإجراءات المرتبطة بالحفاظ على التوازنات المالية وضمان تمويل المواد الأساسية.
وأضاف أن هذه الولاية عرفت أيضا توجها واضحا نحو تحقيق التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، من خلال دعم الاقتصاد التضامني، وتشجيع الاستثمار في البنيات التحتية، ومواصلة إصلاحات مرتبطة بالتنمية الترابية، فضلا عن توسيع اختصاصات الجهات في إطار تنزيل ورش الجهوية المتقدمة.
ويرى الوردي أن هذه المعطيات تجعل حصيلة الولاية إيجابية في مجملها، بالنظر إلى الظرفية الوطنية والدولية التي اشتغلت فيها المؤسسات، غير أنه أقر في المقابل بأن عددا من الملفات ما يزال يحتاج إلى إصلاحات أعمق، وفي مقدمتها التشغيل، خاصة في صفوف الشباب، إلى جانب إصلاح منظومة التربية والتكوين وتأهيل الرأسمال البشري.
وأشار إلى أن تسجيل معدل نمو يناهز 4.2 في المائة يعكس قدرة الدولة على مواجهة جزء مهم من التداعيات الاقتصادية العالمية، رغم ما فرضته مرحلة ما بعد جائحة كورونا من تحديات مالية واقتصادية معقدة.
وتكشف القراءة المشتركة للحصيلة الرسمية وتحليلات الباحثين أن البرلمان المغربي أنهى ولايته التشريعية بإنتاج قانوني مكثف واكب تنزيل عدد من الإصلاحات الكبرى، وأسهم في توفير الإطار القانوني لمشاريع الدولة الاجتماعية والاستثمار والعدالة.
غير أن هذه المرحلة أبرزت في المقابل عددا من التحديات البنيوية، من بينها استمرار هيمنة المبادرة الحكومية على التشريع، وضعف التفاعل مع جزء كبير من التعديلات البرلمانية، وتفاوت فعالية الآليات الرقابية، إلى جانب الحاجة إلى تطوير منهجية إعداد القوانين والانتقال من منطق الكم إلى منطق الجودة.
وبينما يطوي البرلمان صفحة الولاية التشريعية الحادية عشرة، يبقى الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة هو تقييم أثر هذه الترسانة القانونية بعد دخولها حيز التنفيذ، ومدى قدرتها على تحقيق التنمية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، والاستجابة لانتظارات المواطنين، باعتبار أن نجاح التشريع لا يقاس بعدد القوانين الصادرة، وإنما بمدى فعاليتها في معالجة الإشكالات التي شرعت من أجلها.











