“جواز الشباب”: ولد في الرباط… وتاه بين الجهات

محرر مقالات13 يوليو 2025
“جواز الشباب”: ولد في الرباط… وتاه بين الجهات

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة

 

لا تنهض الأوطان إلا بسواعد شبابها. قاعدة لا يختلف عليها اثنان مهما تباعدت الأيديولوجيات أو تنوعت السياسات. فالشباب ليسوا فقط وقود الحاضر، بل هم اللبنة التي يبنى عليها المستقبل. من هذا المنطلق تسعى الدول الحديثة إلى تحويل هذه الطاقة الخام إلى قوة إنتاح ومصدر إبداع، ومحرك تغيير.

 

في بلدنا المغرب، تزايد الاهتمام بالشباب كرافعة استراتيجية للتنمية، ظهرت برامج عدة تعنى بتكوينهم، تأطيرهم، وإدماجهم في النسيج الاقتصادي والثقافي. برامج تتجاوز الشعارات وتحاول أن تترجم الإرادة السياسية إلى مبادرات ميدانية تلامس الواقع.

 

من بين هذه المبادرات، جاء “جواز الشباب” كتجربة جديدة أثارة جدلا واسعا، تطبيق رقمي لا يوزع فقط التخفيضات والعروض بل يوزع الأمل أيضا… لكن، هل يكفي الأمل لتغيير الواقع؟

 

 

“جواز الشباب” تطبيق رقمي أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل في يناير 2025، يستهدف فئة الشباب ما بين 16 و30 سنة. فكرته بسيطة بطاقة رقمية تمنح للشباب وتمنحهم في المقابل عروضا وامتيازات خاصة في مجالات النقل، الثقافة، الرياضة، الترفيه، السكن، التكوين المهني وخدمات أخرى.

 

جاء هذا التطبيق استجابة لحاجة حقيقية في تسهيل ولوج الشباب إلى خدمات أساسية غالبا ما تشكل عبئا ماليا أو تنظيميا. تتجلى مميزاته في رقمنته الكاملة سهولة استخدامه، وربطه بمحفظة رقمية تمكن المستفيد من تتبع رصيده والعروض المتاحة له.

 

الخدمات التي يقدمها تشمل تخفيضات على “الترام” والحافلات، الولوج المجاني للمتاحف، تسهيلات في حجز ملاعب الأحياء، عروض على الكتب، وأحيانا امتيازات في الشراء أو السكن بشراكة مع مؤسسات عمومية وخاصة.

 

بعيدا عن الأرقام والبلاغات الرسمية، يطرح سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: هل يعد “جواز الشباب” فعلا مشروعا وطنيا شاملا؟ أم هو مجرد تجربة حضرية تم تعميم خطابها قبل تعميم خدماتها؟

 

إن الفكرة التي جاء بها“جواز الشباب” فكرة مبتكرة واعدة من حيث الشكل والتصور. لكن بعد مضي عام تقريبا منذ المرحلة التجريبية إلى التعميم الوطني، بدأت ملامح ما يمكن تسميته بـ”عقدة المركز” تطفو في الواجهة. مدن مثل الرباط، الدار البيضاء، ومراكش شكلت النموذج المثالي لهذا البرنامج؛ نتيجة توفرها على البنية التحتية، الإدارات، والمرافق القادرة على احتضان العروض والخدمات المعلنة. ومع ذلك حتى في هذه المدن لا تخلو التجربة من ملاحظات تقنية وتنظيمية.

 

لكن الصورة تنقلب تماما إذا ما نظرنا الى مدن الشمال وجهة الشرق ومناطق أخرى، الاستفادة شبه منعدمة والتطبيق لا يحمل أي معنى فعلي سوى وجوده الرقمي على الهاتف. أما في الأقاليم الجنوبية فالأمر أعمق من غياب خدمات… بل هو غياب للحد الأدنى من المقومات التي تجعل من “الجواز” أداة ذات فائدة، النقل العمومي في حالة هشة، البنيات الصحية ضعيفة، والمركبات الثقافية إن وجدت غالبا ما تكون مغلقة، متآكلة، أو تفتح فقط في مناسبات رسمية تحت مراقبة أمنية. المسرح حلم بعيد، والسينما تكاد تكون وهماً.

 

في ظل هذا الواقع يصبح من الأجدر بوزارة تعنى بالشباب والثقافة والتواصل أن تبدأ أولا من الأساس: تثمين التراث المحلي، إعادة الاعتبار للمرافق الثقافية والفنية المرمية على الهامش، وتقليص الفجوة البنيوية بين المركز والأطراف. لأن الحق في الثقافة ليس امتيازا، بل حق دستوري لا يفعل عبر التطبيقات وحدها، بل عبر الإرادة السياسية الميدانية.

 

ختاما لا شك أن مبادرات مثل “جواز الشباب” تعبر عن إرادة سياسية ورغبة حقيقية في خدمة الشباب والصالح العام، وهي خطوات تستحق التقدير والدعم. لكنها تظل ورغم نبل نواياها بحاجة إلى بنية وأساس صلب، ورؤية شاملة تراعي خصوصيات الجهات والفوارق المجالية. فنجاح أي برنامج لا يقاس فقط بعدد التحميلات أو الشراكات، بل بقدرته على الوصول إلى الجميع، في المركز كما في باقي الجهات والمدن بنفس الجودة والإهتمام.

الاخبار العاجلة