جبروت والتسريبات السياسية.. حين تتحول المعطيات الرقمية إلى سلاح لإعادة رسم موازين القوى قبل انتخابات 2026..

مدير الموقع19 مايو 2026
جبروت والتسريبات السياسية.. حين تتحول المعطيات الرقمية إلى سلاح لإعادة رسم موازين القوى قبل انتخابات 2026..

العيون الآن 

الحافظ ملعين ـ العيون 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة دقيقة عنوانها ارتفاع منسوب التوتر داخل محيط الاغلبية الحكومية الحالية، وسط احتدام صراع مبكر لم يعد يقتصر على التنافس حول البرامج والحصيلة الحكومية، بل امتد نحو معارك اكثر تعقيدا وتشابكا، تستعمل فيها الملفات والتسريبات والمعطيات الرقمية كادوات ضغط واعادة ترتيب موازين القوى قبل لحظة الحسم الانتخابي.

فكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت حرارة المواجهات غير المعلنة، وبدأت تطفو على السطح ملامح حرب باردة تدور في الكواليس، حيث تحولت المعلومة الى اداة استراتيجية للتاثير والضغط والابتزاز السياسي. ولم يعد النقاش العمومي يركز فقط على البرامج الانتخابية والرهانات الاجتماعية والاقتصادية، بل اصبح مشدودا ايضا الى ما ينشر من وثائق وتسريبات تثير الجدل وتعيد تشكيل اولويات النقاش الوطني.

في هذا السياق، برزت صفحة “جبروت” على منصة Telegram باعتبارها فاعلا جديدا ومثيرا للجدل، بعدما تحولت من مجرد منصة تنشر معطيات ووثائق رقمية الى عنصر حاضر بقوة في النقاش السياسي والاعلامي. فقد بدأت الصفحة بنشر معطيات مرتبطة بمؤسسات ومنصات رقمية، قبل ان تتوسع دائرة النشر لتشمل شخصيات سياسية وحزبية وفاعلين نافذين، ما جعل الامر يتجاوز فرضية الاختراق التقني البحت نحو فرضية وجود اهداف تتجاوز الجانب المعلوماتي.

هذا التحول دفع المتابعين الى طرح اسئلة جوهرية حول طبيعة هذه الصفحة والجهات التي قد تقف خلفها، خاصة مع تزامن نشاطها مع دخول المغرب فعليا مرحلة ما قبل الانتخابات، وهي فترة حساسة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع رهانات اعادة تشكيل التحالفات وحسم هوية الحزب الذي سيقود الحكومة المقبلة.

اللافت في هذه الظاهرة ان التسريبات لم تعد مجرد نشر لمعطيات تقنية او ادارية، بل تحولت تدريجيا الى وسيلة للتاثير المباشر في النقاش السياسي. فالمعلومة هنا لم تعد غاية في حد ذاتها، بل اصبحت اداة تستخدم لاعادة ترتيب المشهد وتوجيه الرأي العام نحو قضايا بعينها.

كما ان الطابع الانتقائي في استهداف شخصيات واحزاب محددة عزز الانطباع بان الامر لا يتعلق فقط بنشاط رقمي عشوائي، بل بمنهجية مدروسة تسعى الى توظيف المعلومة كسلاح في معركة النفوذ السياسي. وهو ما يطرح علامات استفهام حول خلفيات هذه الانتقائية وحدود ارتباطها بالصراع القائم داخل المشهد الحزبي.

فالمشهد الحالي يوحي بان المعركة الحقيقية لم تعد مرتبطة فقط بالحصول على المقاعد البرلمانية، بل بحسم سؤال اكثر اهمية يتعلق بمن سيقود الحكومة المقبلة. لذلك تبدو مختلف القوى السياسية وكأنها دخلت مرحلة تموقع مبكر، يحاول فيها كل طرف الدفاع عن موقعه او بناء صورة البديل القادر على قيادة المرحلة القادمة.

غير ان هذه الحسابات تجري في ظرفية اجتماعية واقتصادية حساسة، تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغط الاجتماعي وتراجع الثقة في الخطاب السياسي التقليدي. وهو ما يجعل اي تسريب او معطى رقمي قابلا للتحول بسرعة الى مادة قابلة للاستثمار السياسي والاعلامي.

لقد تحولت الساحة السياسية تدريجيا الى فضاء مفتوح على اشكال جديدة من الصراع، حيث لم تعد المواجهة تتم فقط عبر المنابر الحزبية والخطابات الرسمية، بل عبر المنصات الرقمية وحملات التشهير والتسريبات واعادة تدوير الملفات.

هذا التحول يعكس انتقال السياسة المغربية، كما هو الحال في عدد من الدول، الى مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة بالتكنولوجيا، ويصبح فيها التحكم في المعلومة وفي توقيت نشرها جزءا من معادلة القوة والنفوذ.

لكن الاخطر في هذا المسار هو ان استمرار منطق الصراع عبر التسريبات قد يساهم في اضعاف النقاش العمومي، وتحويله من نقاش حول البرامج والبدائل والحلول الى ساحة لتصفية الحسابات وتبادل الضربات تحت الحزام.

كما ان غياب تواصل مؤسساتي وتقني واضح في بعض اللحظات يفتح المجال امام المنصات المجهولة لفرض روايتها الخاصة، ويغذي مناخ الشك والارتياب لدى جزء واسع من الرأي العام.

ورغم الضجيج الاعلامي الكبير الذي يرافق هذه الملفات، فان ما يجري يكشف اساسا عن دخول المغرب مرحلة سياسية دقيقة، تتسم بارتفاع حدة التنافس، وتنامي استعمال ادوات جديدة في ادارة الصراع السياسي.

لذلك تبدو انتخابات شتنبر 2026 مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط بسبب طبيعة الرهانات المرتبطة بها، ولكن ايضا بسبب الادوات المستعملة في التنافس، والتي لم تعد محصورة في الحملات الانتخابية التقليدية، بل امتدت الى الفضاء الرقمي وحرب السرديات والمعلومات.

وفي انتظار اتضاح الصورة اكثر خلال الاشهر المقبلة، يبدو واضحا ان الساحة السياسية دخلت فعليا مرحلة “ما قبل الحسم”، حيث تتحرك مختلف القوى بحذر شديد وسط ادراك جماعي بان الطريق نحو رئاسة الحكومة المقبلة لن يكون مفروشا بالورود، بل محفوفا بصراعات مفتوحة على كل الجبهات، في معركة لا تحسم فقط في صناديق الاقتراع، بل ايضا في معركة الثقة والصورة والقدرة على التحكم في السردية السياسية داخل زمن اصبحت فيه المعلومة اكثر تاثيرا من اي خطاب انتخابي.

الاخبار العاجلة