العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
في خضم النقاش البرلماني حول تقرير المجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 اختارت مكونات الأغلبية تقديم قراءة سياسية تعتبر خلاصات التقرير بمثابة “بوصلة إصلاحية” تؤكد بحسب تعبيرها، صوابية التوجهات الكبرى التي تبنتها الحكومة في ملفات الحماية الاجتماعية والإصلاح الجبائي والاستثمار والحكامة الترابية. غير أن هذه القراءة التي ركزت على إبراز ما تعتبره “نجاحات تدبيرية وهيكلية”، اصطدمت في المقابل بتقارير ومؤشرات رسمية تكشف استمرار اختلالات بنيوية مرتبطة بتعثر المشاريع العمومية، والفوارق المجالية، وتحديات تنزيل عدد من الأوراش الاجتماعية والاستراتيجية.
خلال الجلسة العمومية المخصصة لمناقشة التقرير دافعت فرق الأغلبية عن حصيلة الحكومة، معتبرة أن ملاحظات المجلس لا ينبغي قراءتها بمنطق “الخروقات” أو “الفشل التدبيري”، بل باعتبارها آلية مؤسساتية للتقويم وتجويد الأداء العمومي.
وفي هذا السياق اعتبرت النائبة البرلمانية عن فريق التجمع الوطني للأحرار سلمى بنعزيز أن تقرير المجلس الأعلى للحسابات يؤكد “بالأرقام” نجاح الحكومة في تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، خصوصاً ما يتعلق بتعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر، معتبرة أن الانتقال من نظام “راميد” إلى “أمو تضامن” شكل تحولا من “منطق الإعانة إلى منطق الحق”.
وربطت البرلمانية التجمعية بين خلاصات التقرير وما وصفته بـ”الهندسة المالية الشجاعة” التي اعتمدتها الحكومة لضمان استدامة تمويل ورش الحماية الاجتماعية، مؤكدة أن الملاحظات الواردة في التقرير تشكل “مؤشرات دقيقة لقياس نجاعة السياسات العمومية”، وليست فقط نقاطا لرصد الاختلالات.
غير أن هذه القراءة المتفائلة للتقرير تصطدم في المقابل بجملة من المؤشرات التي أثارها التقرير نفسه، والمتعلقة باستمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وبطء تنزيل بعض المشاريع العمومية، إضافة إلى تحديات الحكامة والنجاعة في تدبير عدد من القطاعات الحيوية.
من جهته اعتبر فريق الأصالة والمعاصرة أن التقرير يمثل “مرآة موضوعية” لواقع تدبير الشأن العام، داعيا إلى تحويل خلاصاته من مجرد تقارير رقابية إلى “رقابة إصلاحية ملموسة” قادرة على تصحيح الاختلالات وتحسين الأداء العمومي.
سجل النائب البرلماني محمد أوضمين أن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإطلاق الأوراش الكبرى، بل بمدى قدرتها على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، في ظل استمرار التفاوت بين العالمين القروي والحضري وبين جهات المملكة في الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص الشغل والبنيات التحتية.
كما توقف عند التحديات المرتبطة بالأمن المائي في ظل تراجع حصة الفرد من المياه واستمرار الضغط المناخي، مبرزا أن نسبة ملء السدود بلغت حوالي 36,2 في المائة إلى غاية ماي 2026، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي تواجهه السياسات العمومية في هذا المجال الحيوي.
أما الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، فقد اختار التركيز على الاختلالات التي كشفها التقرير في عدد من الملفات الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بتعثر المشاريع العمومية وتحديات تنزيل الإصلاحات المرتبطة بالاستثمار والبنيات التحتية والسلامة الطرقية.
وسجل النائب عبد العزيز لشهب أن المجلس الأعلى للحسابات دق ناقوس الخطر بخصوص محدودية نجاعة الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية، بعدما لم تتجاوز نسبة تقليص ضحايا حوادث السير 3 في المائة، مقابل هدف كان محددا في 25 في المائة، فضلا عن استمرار الخسائر الاقتصادية الناتجة عن حوادث السير والتي تقدر بـ1,7 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
كما أثار التقرير وفق مداخلات الأغلبية نفسها معطى مقلقا يتعلق بوجود أكثر من 2635 مشروعا عموميا متعثرا، ما أعاد النقاش حول فعالية آليات التتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصا في الأمتار الأخيرة من الولاية الحكومية الحالية.
وفي العمق تكشف مداخلات الأغلبية محاولة واضحة لتقديم تقرير المجلس الأعلى للحسابات باعتباره شهادة دعم للإصلاحات الحكومية، في مقابل حرصها على التقليل من وقع الانتقادات المرتبطة بالاختلالات التي رصدها التقرير. غير أن طبيعة المعطيات الواردة في التقرير، خاصة المتعلقة بالفوارق المجالية وتعثر المشاريع وإشكالات الحكامة، تعكس في المقابل أن عددا من الأوراش الاستراتيجية ما تزال تواجه تحديات حقيقية على مستوى التنزيل والنجاعة والأثر المباشر على حياة المواطنين.
أن الرهان السياسي للأغلبية في هذه المرحلة لا ينفصل عن السياق الانتخابي الذي يقترب تدريجيا، حيث تحاول مكونات التحالف الحكومي تقديم الأوراش الاجتماعية والمالية الكبرى باعتبارها مؤشرات على “نجاح التدبير الحكومي”، في وقت تواصل فيه تقارير المؤسسات الرقابية طرح أسئلة ثقيلة حول فعالية الإنفاق العمومي، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، ومدى انعكاسها الفعلي على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمغاربة.











