تحولات دولية متسارعة تربك تحالفات الهشاشة وتعمق عزلة الجزائر

محرر مقالات4 يناير 2026
تحولات دولية متسارعة تربك تحالفات الهشاشة وتعمق عزلة الجزائر

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

تشهد الساحة الدولية خلال الآونة الأخيرة تطورات متلاحقة أعادت خلط أوراق النفوذ والتحالفات أبرزها سقوط نظام بشار الأسد، وما تلاه من اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في أحداث متزامنة تحمل دلالات سياسية عميقة، هذه المستجدات التي وقعت خارج الفضاء الإقليمي التقليدي للجزائر، تكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على شبكة تحالفاتها الخارجية، التي ظلت لسنوات ركيزة أساسية لدعم أطروحات انفصالية تتعارض مع منطق الشرعية الدولية، وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.

 

تأتي هذه التطورات في سياق دولي يتجه بوتيرة متسارعة، نحو إعادة ترتيب موازين القوة وفق معايير جديدة، قوامها احترام الشرعية الدولية، وتغليب منطق الاستقرار على رهانات الأيديولوجيا، فاعتقال نيكولاس مادورو، الذي شكل أحد أبرز وجوه المعسكر المناهض للإجماع الدولي في أمريكا اللاتينية، لا يقرأ بوصفه حدثا معزولا، بل حلقة ضمن سلسلة انهيارات متتالية لأنظمة ظلت لعقود تراهن على الصدام بدل الاندماج في النظام الدولي.

 

ويبرز هذا التحول تقلص هامش المناورة أمام الدول التي ارتبطت استراتيجياتها الخارجية بتحالفات وصفت على نطاق واسع بـ”الهشة”، نظرا لافتقارها إلى عمق اقتصادي أو غطاء سياسي دولي مستدام.

 

في هذا المناخ الدولي الجديد، تبدو الجزائر من أكثر الدول تأثرا بتداعيات هذه التحولات، بعدما بنت جزءا كبيرا من سياستها الخارجية على دعم أطراف وأنظمة تواجه عزلة دولية متزايدة، فقد شكلت بعض الدول في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وعلى رأسها فنزويلا، سندا سياسيا للأطروحة الانفصالية، غير أن تراجع نفوذ هذه العواصم، وسقوط بعضها، أدى إلى تآكل واضح في شبكة الدعم التي كانت الجزائر تراهن عليها داخل المحافل الدولية.

 

هذا التآكل لا ينعكس فقط على مستوى الخطاب الدبلوماسي، بل يترجم عمليا في تقلص عدد الدول المتبنية للمواقف الجزائرية، مقابل اتساع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره حلا واقعيا وذي مصداقية.

 

يحمل اعتقال مادورو وما سبقه من سقوط أنظمة مماثلة، رسائل غير معلنة إلى الدول التي لا تزال تعاكس التيار الدولي العام، فالكلفة السياسية للاصطفاف إلى جانب أنظمة منبوذة باتت أعلى من أي وقت مضى، في ظل نظام دولي أقل تسامحا مع السياسات التي تغذي النزاعات وتراكم الأزمات بدل حلها.

 

وتشير قراءات دبلوماسية متقاطعة إلى أن مرحلة “شراء المواقف” أو الرهان على تحالفات ظرفية آخذة في الأفول، مقابل صعود منطق الواقعية السياسية، الذي يعيد الاعتبار لسيادة الدول ووحدة أراضيها كمرتكز أساسي للاستقرار الإقليمي والدولي.

 

على المستوى الوطني تضع هذه التحولات صانعي القرار في الجزائر أمام معادلة دقيقة، عنوانها مراجعة الخيارات الاستراتيجية قبل اتساع دائرة العزلة، فاستمرار الاستثمار في ملفات خاسرة، وفي مقدمتها ملف الصحراء المغربية، قد يفاقم من الضغوط السياسية والدبلوماسية، ويضعف موقع الجزائر التفاوضي في قضايا إقليمية أخرى ذات أولوية اقتصادية وأمنية.

 

في المقابل يبرز خيار إعادة التموضع الدبلوماسي، والانخراط في مقاربة أكثر براغماتية، كمدخل محتمل لتفادي سيناريوهات العزلة، التي لم تعد مجرد احتمال نظري، بل مؤشرات واقعية تتعزز مع كل تحول دولي جديد.

 

تؤكد التطورات الأخيرة أن النظام الدولي يشهد مرحلة انتقالية حاسمة، تعيد رسم خرائط النفوذ وفق منطق جديد لا يعترف إلا بالدول ذات الشرعية والمشاريع الواقعية، وفي هذا السياق تبدو الجزائر أمام مفترق طرق دبلوماسي حاسم، حيث لم يعد هامش المناورة واسعا كما في السابق، فيما تقترب استحقاقات المراجعة السياسية بوتيرة تفرضها تحولات العالم لا حسابات الماضي.

الاخبار العاجلة