بين مقتضيات الدستور وآفاق الحكم الذاتي: نقاش دستوري يتجدد بعد القرار الأممي 2797

محرر مقالات13 نوفمبر 2025
بين مقتضيات الدستور وآفاق الحكم الذاتي: نقاش دستوري يتجدد بعد القرار الأممي 2797

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

منذ صدور القرار الأممي رقم 2797 المتعلق بقضية الصحراء المغربية، والذي رسخ مرة أخرى وجاهة المقترح المغربي القائم على مبدأ الحكم الذاتي كحل وحيد وواقعي للنزاع الإقليمي، أخذ النقاش الوطني منحى جديدا حول الأبعاد القانونية والدستورية لتنزيل هذا المشروع داخل الإطار المؤسسي المغربي. فبين من يرى أن دستور 2011 يمتلك من المرونة ما يكفي لاستيعاب هذا النموذج، ومن يعتبر أن الحكم الذاتي يتطلب تعديلا دستوريا صريحا، تتبلور اليوم ملامح جدل قانوني وسياسي يعكس مرحلة نضج في مسار الدولة المغربية نحو استكمال هندستها الترابية.

 

يتأسس هذا النقاش على حقيقة أن الوثيقة الدستورية الحالية، رغم كونها منحت الجهات صلاحيات واسعة ضمن مبدأ الجهوية المتقدمة، لم تتضمن أي إشارة مباشرة إلى نظام الحكم الذاتي. فالفصل الأول من الدستور يؤكد أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة”، فيما خص الباب التاسع بتفصيل بنية الجماعات الترابية وصلاحياتها دون أن يفتح المجال لنظام مؤسساتي مستقل في نطاق ترابي محدد. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن تنزيل نظام حكم ذاتي في الصحراء ضمن الصيغة الدستورية الحالية دون تعديل جوهري؟

 

هذا الإشكال يزداد وضوحا حين نتأمل القيود الدستورية المتعلقة بتأسيس الأحزاب السياسية، إذ يمنع الفصل السابع قيامها على أساس جهوي، ما يجعل أي تصور مستقبلي لتعدد حزبي داخل منطقة الحكم الذاتي خاضعا لإعادة نظر دقيقة في المنظومة القانونية برمتها. في مقابل هذا الطرح، يرى باحثون في القانون الدستوري أن المرونة التي تتيحها الفصول المنظمة للجهوية المتقدمة يمكن أن تشكل مدخلا عمليا لتفعيل بعض آليات الحكم الذاتي، من خلال قوانين تنظيمية ومراسيم تطبيقية دون الحاجة إلى تعديل دستوري شامل.

 

وتقول الباحثة في العمل البرلماني والقانون الدستوري مريم ابليل إن “انطلاقا من تنفيذ قرار مجلس الأمن الذي يؤكد على خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية التامة، يتوجب إدراج نظام الحكم الذاتي في الصياغة الدستورية والهيكلة المؤسسية، ويعد هذا الإدراج خطوة طبيعية لترسيخ المسار السياسي والحقوقي الذي اختاره المغرب بإجماع وطني واسع، في إطار رؤيته لتثبيت الاستقرار وتعزيز التنمية في أقاليمه الجنوبية”. وتضيف أن أمام المغرب “خيارات متعددة، فإما أن يتم تعديل جزئي للدستور بغرض إدراج نظام الحكم الذاتي ضمن المقتضيات التي تنص على الجهوية المتقدمة، بما يؤكد أن الحكم الذاتي يشكل تتويجا متقدما لهذا المسار، أو أن يتجه النقاش الوطني نحو مراجعة شاملة للدستور، بما يتيح فرصة لتحديث عدد من المقتضيات وتنظيم العلاقة بين المركز والجهات بشكل أكثر وضوحا وتكاملا”.

 

في هذا السياق، تتقاطع آراء الفاعلين الدستوريين حول ما إذا كان التعديل المنتظر سيكون إجراء تقنيا محصورا في إدماج صيغة الحكم الذاتي ضمن الفصول المتعلقة بالتنظيم الترابي، أم أنه سيمثل لحظة سياسية ودستورية جديدة لإعادة بناء علاقة المركز بالأطراف ضمن تصور متكامل للحكم المحلي. فبينما يرى بعض المختصين أن أي إصلاح دستوري يبقى رهينا بما ستسفر عنه المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، تميل اتجاهات أخرى إلى اعتبار أن الإصلاح الدستوري، إن حدث، سيكون خطوة سيادية داخلية تعكس إرادة الدولة في ترجمة مبادرتها إلى نص دستوري متكامل يعزز الاستقرار ويكرس اللامركزية في أبعادها المتقدمة.

 

وفي ظل توجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس، التي أكدتحجج على ضرورة إطلاق مشاورات واسعة مع الأحزاب السياسية والمؤسسات الوطنية حول آليات تنزيل الحكم الذاتي، يبدو أن المغرب يدخل مرحلة سياسية دقيقة عنوانها التدرج في ترسيخ مشروعه الوطني ضمن رؤية قانونية ودستورية واضحة. فالنقاش الدستوري اليوم لا ينفصل عن جوهر التحول الذي تعرفه الدولة المغربية منذ عقد، والمتمثل في الانتقال من منطق المركزية إلى نموذج ترابي متوازن يربط بين السيادة والوحدة من جهة، والممارسة الديمقراطية والتنمية المحلية من جهة ثانية.

 

وهكذا، يفتح القرار الأممي 2797 الباب أمام جيل جديد من الإصلاحات الدستورية والسياسية، تكون الصحراء المغربية عنوانه الأبرز، ليس فقط باعتبارها موضوعًا للنزاع، بل فضاءً لتجريب نموذج مؤسساتي فريد يزاوج بين الخصوصية المحلية والانتماء الوطني. وبين مسار التفعيل السياسي والتحيين القانوني، يبدو أن المغرب يتجه نحو ترسيخ رؤية شاملة تعيد تعريف المركز والجهة في إطار وحدة الدولة وسيادة القانون.

الاخبار العاجلة