العيون الان
د.سالكة _ فم الواد
في مشهد سياسي لم يخل من الرسائل، تحولت الطريق المؤدية إلى منطقة الجرادي بجماعة فم الواد، اليوم السبت، إلى فضاء للتعبير عن مطالب اجتماعية وتنموية، وذلك تزامنا مع مرور موكب رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة عزيز أخنوش، المتوجه إلى لقاء حزبي خصص للإعلان الرسمي عن تزكية عدد من مرشحي الحزب للاستحقاقات البرلمانية المقبلة بجهة العيون الساقية الحمراء ، ومن بينهم رئيس جماعة فم الواد عياش.
وفي الوقت الذي كان أخنوش قد أكد، قبل ساعات من مدينة الداخلة، أن “المواطنين يريدون من يشتغل وليس من يرفع صوته عاليا”، كان عدد من شباب فم الواد يختارون رفع أصواتهم ولافتاتهم على قارعة الطريق، في محاولة لإيصال رسالة مفادها أن الاشتغال الحقيقي يبدأ بالإنصات إلى مطالب الساكنة، لا بالاكتفاء بالخطب والشعارات.
وشهدت الوقفة الاحتجاجية مشاركة عدد من شباب المنطقة، رغم الأجواء المناخية المتقلبة والرياح القوية التي عرفتها المنطقة، حيث رفع المحتجون لافتات تطالب بالتشغيل وفتح تحقيق في ما وصفوه بملفات الفساد داخل جماعة فم الواد، مؤكدين أن مطالبهم اجتماعية وتنموية قبل أن تكون سياسية.
وحملت اللافتة الرئيسية عبارة: “ساكنة وشباب فم الواد تطالب بالتشغيل وفتح ملفات الفساد بجماعة فم الواد”، فيما رفعت لافتات أخرى كلمات مختصرة لكنها معبرة، من قبيل: “عاطل”، و”أين البقع؟ ضيعت”، في إشارة إلى ما يعتبره المحتجون اختلالات مرتبطة بتدبير ملفات اجتماعية وتنموية محلية.
واللافت أن هذه الرسائل رفعت في اللحظة التي كان فيها موكب أخنوش يعبر نحو الجرادي، حيث احتضن اللقاء الحزبي الذي جاء في إطار جولة تنظيمية يقودها رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وعلاوة على ذلك، فإن اللقاء الحزبي لم يكن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل شكل مناسبة للإعلان عن التزكيات الرسمية لمرشحي الحزب، وهو ما منح الوقفة الاحتجاجية بعدا سياسيا إضافيا، باعتبار أن المحتجين اختاروا توقيتها بعناية لتوجيه رسائل مباشرة إلى قيادة الحزب وإلى المسؤولين المحليين.
وكان أخنوش قد دافع في كلمته بمدينة الداخلة عن حصيلة حكومته، مؤكدا أن حزبه لا يعتمد على “الميركاتو الانتخابي”، وأن المواطنين سيختارون من يشتغل على أرض الواقع، مستعرضا مشاريع وإنجازات قال إنها تعكس الدينامية التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية.
غير أن شباب فم الواد بدا وكأنه يرد على هذا الخطاب بلغة مختلفة، إذ اعتبر أن الحديث عن المنجزات لا يلغي وجود مطالب اجتماعية ما تزال تنتظر الحل، وفي مقدمتها التشغيل والعدالة في تدبير الشأن المحلي وفتح الملفات التي يطالبون بالتحقيق فيها.
ومن المفارقات التي فرضها المشهد، أن عبارة “المواطنون يريدون من يشتغل” بدت وكأنها ارتدت إلى أصحابها بصورة غير مباشرة، بعدما رفع المحتجون مطالب تدعو إلى ترجمة هذا الشعار إلى إجراءات ملموسة داخل جماعة فم الواد، بدل أن يبقى عنوانا يردد في المنصات الحزبية.
كما أن الرياح القوية التي صاحبت مرور الموكب لم تمنع المحتجين من التشبث بلافتاتهم، في صورة اعتبرها متابعون معبرة عن إصرار الشباب على إيصال صوتهم، رغم الظروف الجوية ورغم الطابع الحزبي للزيارة.
وفي السياق ذاته، يرى متابعون أن الاحتجاج، وإن كان محدودا من حيث العدد، فإنه حمل دلالات سياسية واجتماعية، لأنه تزامن مع لحظة يسعى فيها الحزب إلى تقديم صورة عن جاهزيته للاستحقاقات المقبلة، بينما اختار جزء من شباب المنطقة التذكير بأن التنمية تقاس أيضا بمدى انعكاسها على حياة المواطنين.
وعلاوة على ذلك، فإن توقيت الوقفة يعكس استمرار حالة الاحتقان التي يعبر عنها عدد من شباب الجماعة، والذين يؤكدون أن مطالبهم لا تستهدف أشخاصا بعينهم، بقدر ما تدعو إلى معالجة ملفات يعتبرونها عالقة منذ سنوات.
أما على مستوى الرسائل السياسية، فقد وجد رئيس جماعة فم الواد، الذي نال التزكية لخوض غمار الانتخابات البرلمانية المقبلة، نفسه في قلب مشهد تتقاطع فيه حسابات الاستحقاقات الانتخابية مع مطالب اجتماعية يرفعها أبناء الجماعة أمام أنظار قيادة الحزب.
واللافت أيضا أن المحتجين اختاروا الطريق التي عبر منها الموكب، في خطوة أرادوا من خلالها أن تصل رسالتهم مباشرة إلى أخنوش ومن كان برفقته، مؤكدين أن الانتخابات المقبلة لن تحجب الأسئلة المرتبطة بالتشغيل ومحاربة الفساد والتنمية المحلية.
ويبقى المشهد الذي عاشته الجرادي بفم الواد مؤشرا على أن الخطاب السياسي، مهما حمل من وعود وتأكيدات، يظل في حاجة إلى اختباره على أرض الواقع، حيث لا تقاس الشعارات بما يقال فوق المنصات، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، وهو ما حرص شباب فم الواد على التعبير عنه بلافتات رفعتها الرياح، لكنها أوصلت رسائلها بوضوح.











