العيون الآن.
يوسف بوصولة
في تحول دبلوماسي لافت داخل أوروبا عززت بلجيكا موقفها الداعم للوحدة الترابية لالمغرب، من خلال تأكيدها أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها الرباط تمثل «القاعدة الأكثر جدية ومصداقية وواقعية» لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية. ويأتي هذا التطور في سياق دينامية دبلوماسية متصاعدة بين الرباط وبروكسل، تعكس تقاربا سياسيا واستراتيجيا متزايدا بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة.
يعدت زيارة نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية والشؤون الأوروبية والتجارة الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إلى الرباط في الثاني من مارس الجاري محطة مفصلية في تطور الموقف البلجيكي من قضية الصحراء. فمن خلال تصريحات واضحة ومباشرة، أكد المسؤول البلجيكي أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي قدمت سنة 2007 بمبادرة من الملك محمد السادس تشكل بالنسبة لبلجيكا الأساس الأكثر جدية وواقعية للتوصل إلى حل سياسي دائم وعادل لهذا النزاع.
وأوضح بريفو أن هذه المبادرة التي تنص على منح الأقاليم الجنوبية حكماً ذاتيا في إطار سيادة المملكة المغربية ووحدتها الوطنية، تمثل اليوم المرجعية التي ستبني عليها بلجيكا عملها الدبلوماسي والاقتصادي في تعاملها مع هذا الملف. وبهذا الموقف تنضم بروكسل بشكل واضح إلى دائرة الدول الأوروبية التي تعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي الأساس الواقعي والعملي لتسوية النزاع، في انسجام مع توجه دول مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي.
وعلى مستوى السياق الأوروبي، ينظر إلى هذا التطور باعتباره خطوة ذات دلالة سياسية مهمة. فموقف بلجيكا يأتي في أعقاب الموقف الذي عبرت عنه فرنسا، التي تعد من أبرز الداعمين لمغربية الصحراء داخل الاتحاد الأوروبي، كما يعزز الاتجاه الذي بدأ منذ إعلان إسبانيا في مارس 2022 دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الأكثر جدية وواقعية للنزاع.
ويأتي هذا التحول البلجيكي امتدادا لمسار دبلوماسي تدريجي بدأ منذ عدة أشهر حيث شهدت العلاقات بين الرباط وبروكسل تقاربا ملحوظا توج بتوقيع إعلان مشترك في العاصمة البلجيكية يوم 23 أكتوبر 2025. وفي تلك الوثيقة السياسية المهمة أكد البلدان فهما مشتركا للطابع الاستراتيجي الذي تمثله قضية الصحراء بالنسبة للمغرب، مع التأكيد على أن المنطقة تندرج في إطار سيادة المملكة ووحدتها الترابية.
لم يقتصر الموقف البلجيكي على التصريحات السياسية بل امتد أيضا إلى الممارسات الدبلوماسية والقنصلية. فقد أكد الوزير البلجيكي خلال مداخلة أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البلجيكي أن القنصلية العامة لبلجيكا في الرباط تقدم خدماتها القنصلية على مستوى كامل التراب المغربي دون أي تمييز جهوي بما في ذلك الأقاليم الجنوبية.
كما أوضح أن المواطنين البلجيكيين المقيمين في هذه المناطق مسجلون لدى القنصلية ويستفيدون من مختلف الخدمات القنصلية شأنهم شأن باقي الرعايا المقيمين في مناطق أخرى من المغرب، إضافة إلى تقديم المساعدة للبلجيكيين العابرين للأقاليم الجنوبية. وينظر إلى هذا الإجراء باعتباره مؤشرا عمليا على انسجام السياسة البلجيكية الجديدة مع رؤيتها الدبلوماسية بخصوص الصحراء المغربية.
على المستوى الثنائي تعكس هذه الدينامية السياسية تطورا متزايدا في العلاقات الاقتصادية والإنسانية بين البلدين. فقد أكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة أن العلاقات المغربية البلجيكية التي تعود جذورها إلى أكثر من 160 عاما منذ توقيع أول اتفاق بين البلدين تمر حاليا بإحدى أفضل مراحلها.
وتظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التقارب إذ تعد بلجيكا اليوم الشريك التجاري الثالث عشر للمغرب، كما تعتبر الشريك الاقتصادي الأول للمملكة في منطقة وسط أوروبا. وقد شهدت المبادلات التجارية بين البلدين نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوز معدل نموها 14 في المائة خلال العام الماضي فقط.
كما تحتل بلجيكا المرتبة السادسة عشرة ضمن المستثمرين الأجانب في المغرب، في حين تشكل أيضا أحد الأسواق السياحية المهمة للمملكة، إذ بلغ عدد السياح البلجيكيين الذين زاروا المغرب العام الماضي نحو 300 ألف مسافر.
تشكل الجالية المغربية المقيمة في بلجيكا أحد أبرز ركائز العلاقات الثنائية بين البلدين. ويقدر عدد المغاربة المقيمين هناك بنحو 800 ألف شخص، ما يجعل من هذا الحضور البشري جسرا اجتماعياً وثقافيا واقتصاديا مهما بين البلدين.
كما تحتل تحويلات المغاربة المقيمين في بلجيكا مرتبة متقدمة ضمن التحويلات المالية نحو المغرب، حيث تأتي في المرتبة الخامسة عالمياً، وهو ما يعكس الدور الحيوي للجالية المغربية في تعزيز الروابط الاقتصادية والإنسانية بين الرباط وبروكسل.
إلى جانب التعاون الاقتصادي، يفتح التقارب السياسي بين البلدين الباب أمام مجالات تعاون جديدة خاصة في القطاعات الاستراتيجية. فقد أكد ماكسيم بريفو أن البلدين يستعدان لإطلاق حوار استراتيجي جديد يهدف إلى تعزيز التعاون في مواجهة التهديدات المشتركة، من بينها تهريب المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود فضلا عن مكافحة الإرهاب والتطرف.
وفي هذا السياق. وجهت بلجيكا دعوة للمغرب للمشاركة في معرض BEDEX، وهو المعرض الأوروبي للدفاع الذي تنظمه بروكسل يومي 12 و13 مارس الجاري، ويعد من أبرز الفعاليات الدفاعية في أوروبا. وتعكس هذه الخطوة رغبة مشتركة في توسيع مجالات التعاون بين البلدين لتشمل القطاعات الأمنية والدفاعية ذات الطابع الاستراتيجي.
لا يقتصر تأثير الموقف البلجيكي على العلاقات الثنائية مع المغرب، بل يمتد أيضا إلى داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فالعاصمة البلجيكية بروكسل تعد مركزا رئيسيا لصناعة القرار الأوروبي حيث تحتضن مؤسسات الاتحاد الأساسية، بما في ذلك المفوضية الأوروبية ومجلس الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى جزء من أنشطة البرلمان الأوروبي.
ويمنح هذا الموقع المؤسسي بلجيكا تأثيرا مهما في تشكيل التوجهات الدبلوماسية داخل الاتحاد. ومن خلال تموقعها ضمن الدول الداعمة لمغربية الصحراء، تساهم بروكسل في الدفع نحو مزيد من التقارب الأوروبي مع المقاربة المغربية لحل النزاع.
وفي هذا السياق شكل انعقاد الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي في بروكسل نهاية يناير الماضي محطة بارزة في هذا المسار، حيث أسفرت المناقشات عن تبني توجه أوروبي متقدم يقوم على دعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً واقعياً لحل النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ويعكس هذا التطور الدبلوماسي المتسارع اتجاها أوروبيا متزايدا نحو الاعتراف بواقعية المقاربة المغربية، في وقت تسعى فيه الرباط إلى توسيع شبكة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل العملي القادر على إنهاء أحد أطول النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا.











