بعد 7 سنوات من الجمود…الرباط وباريس تفتحان صفحة الشراكة الاستراتيجية الكبرى

محرر مقالات12 يوليو 2026
بعد 7 سنوات من الجمود…الرباط وباريس تفتحان صفحة الشراكة الاستراتيجية الكبرى

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

بعد سبع سنوات من التوقف تستعد الرباط الأسبوع المقبل لاحتضان أشغال اللجنة العليا المشتركة المغربية الفرنسية، في أول اجتماع من هذا المستوى منذ سنة 2019، برئاسة مشتركة بين رئيس الحكومة عزيز أخنوش ونظيره الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الذي يحل بالمغرب مرفوقا بنحو عشرة وزراء، ويأتي هذا اللقاء في سياق تحول نوعي تشهده العلاقات بين البلدين، تمهيدا لتوقيع اتفاق جديد للشراكة الاستراتيجية خلال الأشهر المقبلة، في خطوة تعكس انتقال الرباط وباريس إلى مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

 

ويكتسي هذا الاجتماع أهمية خاصة باعتباره الحلقة الأخيرة قبل الإعلان الرسمي عن اتفاق الشراكة الاستراتيجية الذي يرتقب أن يوقعه صاحب الجلالة الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويعد هذا الاتفاق الأول من نوعه الذي تبرمه فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما سبق أن أعلنه ماكرون خلال خطابه أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 2024، في مؤشر على المكانة التي بات يحتلها المغرب في الرؤية الفرنسية الجديدة تجاه شركائه الدوليين.

 

ويأتي استئناف اجتماعات اللجنة العليا المشتركة بعد فترة من الجمود فرضتها التوترات السياسية التي خيمت على العلاقات الثنائية، خاصة على خلفية الموقف الفرنسي من قضية الصحراء المغربية، غير أن إعلان الرئيس الفرنسي في 30 يوليوز 2024، اعتراف بلاده بمغربية الصحراء شكل نقطة تحول مفصلية، إذ أعاد بناء الثقة بين العاصمتين وفتح المجال أمام إعادة تفعيل مختلف آليات التعاون الثنائي، بعد سنوات من الفتور الدبلوماسي.

 

ومن المنتظر أن تتصدر الملفات الاقتصادية جدول أعمال الاجتماع، في ظل سعي فرنسا إلى تعزيز حضورها في المشاريع الاستراتيجية التي أطلقها المغرب استعدادا لتنظيم كأس العالم 2030، خصوصا في مجالات البنية التحتية والنقل والخدمات الكبرى، غير أن باريس تدخل سباقا مفتوحا مع قوى اقتصادية أخرى، من بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، التي تسعى بدورها إلى الظفر بحصة من الاستثمارات المرتبطة بهذه الأوراش.

 

كما ينتظر أن يحتل ملف الطاقة مكانة متقدمة في المباحثات، في إطار توجه البلدين نحو توسيع التعاون في مجالات الطاقات المتجددة والانتقال الطاقي، وتشير المعطيات إلى احتمال بحث مشاريع مرتبطة بتطوير قطاع الطاقة النووية المدنية بالمغرب، من خلال دراسة إمكانية اعتماد المفاعلات المعيارية الصغيرة، وهي تقنية تراهن عليها المملكة لتنويع مصادر إنتاج الكهرباء وتقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية، مستفيدة من الإمكانات التي توفرها احتياطيات اليورانيوم المرتبطة بالفوسفاط المغربي.

 

وفي السياق نفسه يرتقب أن يناقش الجانبان مشروع كابل كهربائي بحري يربط مدينة الناظور بمدينة مرسيليا، بهدف نقل الكهرباء الخضراء المنتجة في المغرب نحو السوق الفرنسية، في مشروع يعكس الطموح المشترك لتعزيز التكامل الطاقي بين ضفتي المتوسط، وتحويل المغرب إلى منصة إقليمية لإنتاج وتصدير الطاقة النظيفة نحو أوروبا.

 

وعلى المستوى الأمني والعسكري، تحظى ملفات الدفاع باهتمام متزايد ضمن أجندة التعاون الثنائي، إذ تسعى باريس إلى إقناع الرباط باقتناء غواصة “Scorpène” المتطورة، في إطار جهودها لتعزيز الشراكة العسكرية مع المملكة، غير أن هذا المشروع يواجه منافسة من عروض إسبانية وكورية جنوبية، في وقت يواصل فيه المغرب تحديث قدراته البحرية لمواكبة التحديات الأمنية المرتبطة بغرب البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق، باعتبارهما من أكثر الممرات البحرية حساسية على المستوى الدولي.

 

ويأتي هذا الحراك السياسي امتدادا لسلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى التي شهدتها الأشهر الماضية، كان أبرزها مباحثات الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني عبد اللطيف لوديي مع المسؤولة الفرنسية المكلفة بالجيوش في باريس، إضافة إلى زيارة المفتش العام للقوات المسلحة الملكية الجنرال محمد بريظ إلى العاصمة الفرنسية، وما رافقها من اجتماعات مع كبار المسؤولين العسكريين الفرنسيين، بما يؤكد اتساع مجالات التنسيق بين البلدين.

 

كما سبق انعقاد اللجنة العليا المشتركة نشاط دبلوماسي وبرلماني مكثف، تجسد في زيارة وفد برلماني مغربي إلى باريس، حيث حظي باستقبال رسمي داخل مجلس الشيوخ الفرنسي، في مؤشر إضافي على عودة الدينامية إلى مختلف قنوات التواصل السياسي والمؤسساتي بين البلدين.

 

وتعكس عودة اللجنة العليا المشتركة بعد سنوات من التوقف، إرادة مشتركة لإعادة صياغة العلاقات المغربية الفرنسية على أسس أكثر اتساعا واستقرارا، تتجاوز الإطار التقليدي للتعاون الثنائي نحو شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الاقتصاد والطاقة والدفاع والاستثمار والتنسيق السياسي، في ظل متغيرات إقليمية ودولية تعزز من أهمية المغرب كشريك محوري لفرنسا في الضفة الجنوبية للمتوسط وإفريقيا.

الاخبار العاجلة