العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
عاد ملف تجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح إلى صدارة النقاش البرلماني اليوم الاثنين 2 نونبر 2026، بعدما طالب نواب من الأغلبية والمعارضة بالتسريع بإخراج القوانين المرتبطة بمحاربة الفساد، فيما جدد وزير العدل عبد اللطيف وهبي التزام الحكومة بإعداد ترسانة تشريعية جديدة، مشددا على ضرورة الموازنة بين محاسبة المتورطين وحماية قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
وشهدت جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب نقاشا حول مستقبل المنظومة القانونية لمكافحة الفساد، تخللته مواجهة كلامية بين وزير العدل وعبد الصمد حيكر النائب عن حزب العدالة والتنمية، على خلفية انتقادات وجهها الأخير إلى موقف الوزير من تجريم الإثراء غير المشروع.
وأكد وهبي في معرض رده على مداخلات النواب أن الحكومة تعتزم تقديم نصوص قانونية تتعلق بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح ومكافحة تبييض الأموال، معلنا استعداده للتعاون مع مختلف الفرق البرلمانية لإعداد مقتضيات قانونية تجمع بين فعالية المحاسبة واحترام الحقوق والحريات.
جاءت هذه التعهدات بعد أيام من إعلان رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري التزام حكومتها باستكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، من خلال تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات غير مستحقة.
وفي هذا السياق دعا عبد المنعم الفتاحي عن الفريق الاستقلالي، إلى تفعيل مبدأ “من أين لك هذا مذكرا بأن حزب الاستقلال يدافع عن هذا التوجه منذ سنة 1961، ومعتبرا أن محاربة الفساد والريع ينبغي أن تشكل أولوية تشريعية ومؤسساتية.
وطالب الفتاحي بإخراج قانون لتنازع المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور، وتجريم تسريب المعلومات بغرض تحقيق منافع غير مشروعة، إلى جانب حماية الموظفين المبلغين عن الفساد ومراجعة منظومة التصريح بالممتلكات، مؤكدا أن النصوص القانونية تحتاج إلى إرادة سياسية تضمن تطبيقها على الجميع دون استثناء.
ومن جهتها دعت النائبة فدوى الرجواني عن الفريق الاشتراكي، إلى إقرار تجريم الإثراء غير المشروع، معتبرة أن المغرب في حاجة إلى تعاقد سياسي جديد يجعل من محاربة الفساد وتضارب المصالح مدخلا لاستعادة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي.
أكدت أن فريقها سبق أن تقدم بمبادرات تشريعية في هذا المجال، معربة عن أملها في أن تحظى المقترحات المتعلقة بالإثراء غير المشروع والتصريح بالممتلكات وحماية المبلغين بتوافق حكومي وبرلماني يسمح بإخراجها إلى حيز التنفيذ.
وفي الاتجاه ذاته، شدد فريق الأصالة والمعاصرة على أن مكافحة الفساد ليست مجرد إجراء تشريعي ظرفي، بل ورش سياسي ومجتمعي متواصل يرتبط بحماية المال العام ومحاربة استغلال النفوذ والريع والاحتكار، وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات والموارد العمومية.
كما دعا الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي إلى عدم اختزال معالجة تضارب المصالح في العقوبات الزجرية، مطالبا بإرساء آليات للوقاية والشفافية ورصد حالات التعارض بين المصالح الخاصة والمسؤوليات العمومية، وضمان تطبيق القانون دون انتقائية.
من جانبه اعتبر عمر محمود بنجلون، عن المجموعة النيابية لتحالف اليسار، أن التخوف من احتمال إساءة استعمال بعض المقتضيات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لرفض التشريع، مؤكدا أن الضمانات المطلوبة يمكن إدراجها ضمن القوانين نفسها.
وشدد إدريس السنتيسي عن الفريق الاستقلالي على أهمية ربط الجرائم بالمحاسبة، داعيا إلى استثمار الاستعداد الذي أبدته الفرق البرلمانية للتعاون مع الحكومة في إخراج النصوص الضرورية لتعزيز النزاهة وحماية مناخ الأعمال.
غير أن النقاش اتخذ منحى أكثر حدة عندما انتقد عبد الصمد حيكر، عن فريق العدالة والتنمية، جواب وزير العدل ووصفه بـ«البائس»، معتبراً أن الاستناد إلى قرينة البراءة لا ينبغي أن يحجب المقتضيات الدستورية المتعلقة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة تنازع المصالح.
واستحضر حيكر قرار سحب مشروع القانون الجنائي الذي كان يتضمن مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع، معتبرا أن هذا القرار سيظل حاضرا في مساءلة وزير العدل بشأن جدية الالتزامات التشريعية الجديدة.
ورد وهبي برفض وصف جوابه بذلك التعبير مطالبا باحترام قواعد التخاطب داخل المؤسسة التشريعية، قبل أن يتدخل عبد الله بووانو، رئيس فريق العدالة والتنمية، داعيا إلى سحب العبارة من محضر الجلسة.
وبعد استئناف تعقيبه أكد وزير العدل أن الخلاف لا يتعلق بمبدأ مكافحة الفساد، وإنما بكيفية صياغة نصوص قانونية تتيح مساءلة المتورطين دون تعريض الأبرياء للظلم أو تحويل الشبهات إلى أحكام مسبقة.
وأوضح أن الإثراء غير المشروع يرتبط بمشروعية مصادر الثروة وأن امتلاك شخص لممتلكات أو أموال مهمة لا يشكل في حد ذاته دليلا على ارتكاب جريمة، مشددا على ضرورة احترام قواعد الإثبات وحق المتهم في الصمت.
وأثار الوزير إشكال تحميل المشتبه فيه مسؤولية إثبات براءته، متسائلا عن الأساس القانوني الذي يسمح باعتبار صمت شخص بشأن مصدر ممتلكاته دليلا على الإدانة، ومؤكدا أن قرينة البراءة تشكل أحد المرتكزات الأساسية للمحاكمة العادلة.
كما حذر من الأضرار التي قد يتعرض لها الأشخاص نتيجة التشهير بهم بمجرد استدعائهم للتحقيق أو توقيفهم، خصوصا عندما تنشر صورهم قبل صدور أحكام قضائية نهائية، مشيرا إلى أن البراءة اللاحقة لا تمحو بالضرورة الأضرار الاجتماعية والمهنية التي قد تلحق بهم.
وتوقف وهبي عند إشكالية التعويض عن الأخطاء القضائية والأضرار الناتجة عن المتابعات التي قد تستمر لسنوات قبل انتهائها بالبراءة، معتبراً أن حماية الحقوق الفردية يجب أن تظل حاضرة عند منح سلطات المراقبة والتحقيق والمتابعة للجهات المختصة.
وفي خطوة ترمي إلى تقريب وجهات النظر كشف الوزير أنه جمع مقترحات تشريعية سبق أن تقدم بها الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال في هذا المجال، معلنا استعداده لإضافة مقترحات العدالة والتنمية وإعداد تقرير يجمع التصورات والإشكالات القانونية المطروحة.
وأكد أن وزارة العدل منفتحة على مناقشة هذه المبادرات داخل اللجنة البرلمانية المختصة، بهدف التوصل إلى نصوص قانونية تضبط حالات الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح وتحدد آليات المساءلة والضمانات المرتبطة بها.
ويعيد هذا النقاش إلى الواجهة المسار المتعثر لمشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، الذي أُحيل على البرلمان سنة 2016، قبل سحبه سنة 2021، بعد خلافات بشأن عدد من مقتضياته، وفي مقدمتها تجريم الإثراء غير المشروع.
وكان فريق العدالة والتنمية قد أودع، في 23 أكتوبر الماضي أربعة مقترحات قوانين تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع، والوقاية من تنازع المصالح، وحماية الموظفين المبلغين عن الفساد، وتوحيد التشريع المنظم للتصريح الإجباري بالممتلكات، ما يجعل هذه الملفات مطروحة مجددا ضمن المبادرات التشريعية للولاية الحالية.
وتكشف مداخلات النواب عن تقارب بين مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن الحاجة إلى تقوية منظومة مكافحة الفساد، مقابل استمرار النقاش حول الآليات القانونية التي ينبغي اعتمادها، خصوصا في ما يتعلق بعبء الإثبات وحدود سلطات المراقبة وضمانات الأشخاص الخاضعين للتحقيق.
وبين تعهد الحكومة بتقديم نصوص جديدة واستعداد الفرق البرلمانية لمناقشتها، ينتقل ملف الإثراء غير المشروع مجددا من دائرة الوعود السياسية إلى اختبار الصياغة التشريعية، بعد سنوات من التعثر، في انتظار تحديد مضمون المشاريع المرتقبة والجدول الزمني لإحالتها على البرلمان.











