العيون الآن
سالم بلال: طالب باحث حاصل على ماستر في التربية الجمالية وتدبير مهن الفن والثقافة، مهتم بقضايا الإعلام الجهوي، والجماليات البصرية.
حين انطلقت قناة العيون سنة 2004، كانت مشروعا اعلاميا طموحا، ومختبرا حقيقيا للابداع الجهوي، ومنصة لابراز الثقافة الحسانية في مغرب الثقافات بروح معاصرة. يومها كان الرهان واضحا: ان تكون القناة صوتا للمنطقة،
وفضاء للتجريب، وحاضنة لطاقات شابة قادرة على الابتكار.
غير ان المتابع لبرمجتها خلال رمضان 2026 يلمس مفارقة مؤلمة: فبدل ان تتطور التجربة وتراكم مكاسبها، ظلت الصيغ نفسها تقريبا منذ اعتماد دفتر التحملات سنة 2012. البرامج تتكرر، المواضيع يعاد طرحها دون تجديد حقيقي، الشعر حاضر بكثافة في اكثر من برنامج، وبالوجوه ذاتها احيانا، وبالاسئلة نفسها، وحتى جمل التقديم تكاد تستعاد حرفيا عاما بعد عام.
لا احد يجادل في مركزية الشعر في الثقافة المحلية، لكن الابداع لا يعني الاكتفاء بتكرار الشكل ذاته. اين الاجتهاد في الاخراج؟ اين التجديد في الديكور الذي يبدو وكأنه لم يتغير منذ سنوات طويلة؟ اين الجرأة في كسر نمطية التقديم؟ المشاهد اليوم اكثر وعيا، واكثر احتكاكا بتجارب اعلامية متنوعة، ولم يعد يقبل بسهولة بالرتابة البصرية او الخطاب المتكرر.
ويأتي تعيين مدير جديد للقناة، وهو من بين الاطر التي واكبت تأسيسها سنة 2004، ليطرح سؤالا مهما: هل سيكون هذا التعيين استعادة لروح البدايات، ام تكريسا لاستمرارية النهج نفسه؟ الانتماء الى جيل التأسيس قد يكون نقطة قوة اذا اقترن برؤية نقدية وشجاعة اصلاحية، وقد يتحول الى اعادة انتاج للمألوف ان لم يصاحبه وعي بحجم التحولات التي يعرفها الاعلام اليوم.
ثم ان المرحلة المقبلة تحمل رهانات اكبر من مجرد شبكة رمضانية ناجحة. فالمنطقة مقبلة على تحولات سياسية ومؤسساتية عميقة في افق تنزيل ورش الحكم الذاتي. وهنا يبرز سؤال استراتيجي: ما موقع القناة في هذا السياق؟ هل هي مستعدة لتكون منصة للنقاش العمومي الجاد؟ فضاء لتأطير المواطنين اعلاميا حول التحولات المرتقبة؟ جسرا بين المؤسسات والساكنة؟
الحضور الاعلامي في مرحلة كهذه لا يمكن ان يظل حبيس البرامج التقليدية والحوارات المتكررة. المطلوب رؤية تحريرية جديدة، تجعل القناة فاعلا في مواكبة التحول التنموي والمؤسساتي، لا مجرد ناقل روتيني لمحتوى موسمي.
ان النقد هنا ليس تقليلا من جهود العاملين، بل دعوة صادقة لاعادة تقييم التجربة. فالقناة التي ولدت كمختبر ابداعي تستحق ان تستعيد روح المغامرة، وان تحدث قطيعة ايجابية مع الجمود، وان تفتح الباب امام كفاءات جديدة، وتستثمر خبرة الجيل المؤسس في التأطير لا في اعادة تدوير الصيغ.
رمضان محطة سنوية عابرة، لكن التحولات الكبرى التي تعرفها المنطقة محطة تاريخية. وبين المحطتين تقف القناة امام اختبار حقيقي: اما ان تظل اسيرة التكرار، او ان تتحول الى فاعل اعلامي مؤثر يواكب زمنه ويصنع الفرق.











