العيون الآن.
يوسف بوصولة
أثار المخرج البريطاني كريستوفر نولان جدلا واسعا بعد تداول أنباء عن تصويره مشاهد من فيلمه الجديد “الأوديسة” في مدينة الداخلة الواقعة في إقليم الداخلة-وادي الذهب، وهي منطقة تصفها جبهة البوليساريو والمجتمع المدني الصحراوي بأنها “أرض محتلة” من قبل المغرب منذ ما يقارب نصف قرن.
بحسب مجلة Variety، فإن نولان، صاحب أعمال سينمائية بارزة مثل Oppenheimer وInterstellar، اختار الداخلة ضمن مواقع تصوير فيلمه الملحمي المستوحى من قصيدة هوميروس الشهيرة، إلى جانب مواقع أخرى في اليونان وإيطاليا. ومن المقرر أن يعرض الفيلم، الذي يضم نخبة من نجوم هوليوود أبرزهم مات ديمون، تشارليز ثيرون، زندايا، لوبيتا نيونغو وآن هاثاواي، يوم 17 يوليو 2026.
انتقادات لاذعة طالت نولان من قبل منظمي مهرجان السينما الدولي للصحراء الغربية (FiSahara)، الذي يقام في مخيمات اللاجئين الصحراويين في الجزائر. وقالت ماريا كارّيون، مديرة المهرجان، إن تصوير أعمال ضخمة في الداخلة “يساهم في تطبيع الاحتلال المغربي”، مشيرة إلى أن هذه الإنتاجات “تجمل صورة المغرب دوليا بينما يعيش الصحراويون قمعا ممنهجا منذ 50 عاما”.
وفي بيان صادر عن المهرجان، دعا المنظمون نولان إلى وقف التصوير تضامنا مع الشعب الصحراوي. وأضاف البيان:
“نحن واثقون أنه لو فهم المخرج وفريقه جميع تبعات تصوير فيلم ضخم في أرض لا يستطيع سكانها الأصليون إنتاج أفلامهم بحرية، فسيصابون بالذعر”.
انضم الممثل الإسباني خافيير بارديم إلى الأصوات المنتقدة عبر منشور في حسابه على إنستغرام، قال فيه:
“منذ 50 عاما، يحتل المغرب الصحراء الغربية ويطرد الصحراويين من مدنهم. الداخلة تحولت إلى مركز سياحي وها هي الآن تتحول إلى استوديو تصوير بهدف محو الهوية الصحراوية”.
وأكد بارديم أن ما يحدث يتم “بموافقة الحكومات الغربية، بما فيها الحكومة الإسبانية”، مطالبا بالإفراج عن الصحراء من “الاحتلال”.
في المقابل، دافعت ريدا بنجلون، مديرة المركز السينمائي المغربي، عن تصوير الفيلم في الداخلة، معتبرة أن استضافة إنتاج عالمي بهذا الحجم “تبرز انفتاح المدينة على صناعة السينما الدولية”. وأكدت أن المغرب يقدم حوافز وتسهيلات كبيرة لجذب شركات الإنتاج العالمية، بما فيها الإعفاءات الضريبية والدعم اللوجستي.
لم يصدر عن نولان أو فريق الإنتاج أي رد رسمي حتى الآن. إلا أن هذه القضية تسلط الضوء على الارتباط الوثيق بين صناعة السينما والقضايا السياسية في المناطق المتنازع عليها، خصوصا أن الصحراء المغربية كانت موقعاً لتصوير أفلام شهيرة مثل “مهمة مستحيلة” و**“إنديانا جونز”**.
ومع استمرار الانتقادات واقتراب موعد طرح الفيلم، يبدو أن الجدل سيبقى قائما حول حدود مسؤولية المبدعين تجاه القضايا السياسية في مواقع تصوير أعمالهم.
في خضم هذا الجدل المفتعل، من الواضح أن هذه الحملة التحريضية لن تُغيِّر من الواقع شيئًا، فمدينة الداخلة ماضية بثبات نحو ترسيخ مكانتها كقبلة جديدة للسينما العالمية، بفضل مناخها الفريد وجمالها الطبيعي واستقرارها السياسي. وكما أصبحت الصحراء المغربية استوديو مفتوحًا يحتضن كبار الإنتاجات الدولية، ستظل الداخلة تفتح ذراعيها للإبداع السينمائي بعيدًا عن المزايدات الفارغة أما الانتقادات، فليست سوى زوبعة في فنجان، سرعان ما ستخبو أمام زخم الإنجاز وواقع لا يرتفع: الداخلة أرض مغربية تنبض بالحياة والانفتاح.











