العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
قبل أسابيع قليلة من عودة ملف الصحراء إلى مجلس الأمن الدولي في أكتوبر المقبل بدأت بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو” إعادة ترتيب مكونات حضورها الميداني، في خطوة تشمل قيادتها العسكرية والمدنية، إلى جانب تغييرات مست عددا من الموارد البشرية واللوجستية وطريقة اشتغال البعثة.
في أحدث هذه التغييرات، عينت الأمم المتحدة اللواء الباكستاني جواد أحمد قائدا جديدا للقوة العسكرية خلفا للجنرال البنغالي فخرو محمد الإحسان، فيما التحق المسؤول الأممي المالاوي رون ميستي كامويندو بمدينة العيون لتولي إدارة المكوّن المدني للبعثة.
تأتي هذه التعيينات بعد تغييرات أخرى شهدتها البعثة خلال الفترة الأخيرة، شملت الاستغناء عن نحو عشرين إطارا من الطواقم الطبية، وإعفاء أربعة مسؤولين عن قطاعات وأقسام من مهامهم، إضافة إلى التخلي عن إحدى الطائرتين المخصصتين للتنقلات الميدانية.
وبالنظر إلى تقارب هذه الإجراءات زمنيا فإنها تضع وضعية “المينورسو” أمام أسئلة تتجاوز التغيير العادي في المسؤولين أو تدبير الموارد، خصوص أنها تتزامن مع نقاش أممي أوسع حول مستقبل عمليات حفظ السلام وطبيعة المهام التي يفترض أن تضطلع بها في النزاعات الممتدة.
وتأتي هذه التحولات في سياق مراجعة تقودها الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام، بعدما دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى تكييف هذه العمليات مع طبيعة النزاعات الحالية، واعتماد ولايات أكثر وضوحا ومرونة، مع تقييم منتظم لمدى فعالية البعثات وقدرتها على خدمة مسارات سياسية قابلة للتنفيذ.
يضع هذا التوجه العامل السياسي في قلب مستقبل عمليات حفظ السلام، بدل الاكتفاء باستمرار وجود البعثات باعتباره هدفا قائما بذاته. فاستمرار أي بعثة وفق الرؤية التي طرحها غوتيريش يرتبط بمدى قدرتها على مواكبة مسار سياسي حقيقي، في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة نزاعات تحولت بعض بعثاتها فيها إلى آليات طويلة الأمد لإدارة أزمات لم تصل إلى تسويات نهائية.
فالبعثة التي أنشئت سنة 1991 تعمل أساسا في إطار وقف إطلاق النار، بينما ظل المسار السياسي للنزاع دون تسوية نهائية طوال أكثر من ثلاثة عقود. كما أن البيئة الميدانية التي تعمل فيها البعثة لم تعد هي نفسها التي كانت قائمة عند إنشائها، خصوصا بعد انهيار وقف إطلاق النار إثر تطورات سنة 2020.
هذه التحولات تجعل النقاش حول مستقبل “المينورسو” مرتبطا بصورة أكبر بالسؤال عن طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه في المرحلة المقبلة.
فتقليص بعض الموارد وإعادة توزيع المسؤوليات، وتغيير القيادة العسكرية والمدنية، والتخلي عن جزء من وسائل النقل الجوي، يمكن تفسير كل إجراء منها باعتبارات إدارية أو مالية منفصلة. لكن اجتماعها في فترة زمنية متقاربة، بالتزامن مع المراجعة الأممية الشاملة لعمليات حفظ السلام، يمنح هذه الإجراءات دلالة أوسع تستحق المتابعة.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بقرار جاهز لتقليص البعثة أو تغيير ولايتها، بقدر ما يتعلق باحتمال انتقال تدريجي في طريقة النظر إلى وظيفتها، خصوصا إذا أصبح المسار السياسي أكثر حضورا في مقاربة الأمم المتحدة للنزاع.
وهذا التحول يطرح سؤالا أساسيا أمام مجلس الأمن: هل تستمر “المينورسو” بالصيغة التشغيلية نفسها التي رافقتها لعقود، أم أن تطورات الملف السياسي والميداني ستفرض تعديلات في حجم البعثة، وانتشارها، ومواردها، والأدوار التي تضطلع بها؟
ويأتي اجتماع مجلس الأمن في أكتوبر المقبل في توقيت حساس بالنسبة إلى هذا المسار، إذ لن يقتصر النقاش على التجديد السنوي لولاية «المينورسو»، وإنما سيجري في ظل نقاش أممي أوسع حول مستقبل عمليات حفظ السلام وضرورة ربطها بالمسارات السياسية القابلة للتنفيذ.
كما أن الملف يدخل هذه السنة مرحلة سياسية مختلفة مع استمرار الحراك الدبلوماسي حول مقترح الحكم الذاتي المغربي، وتزايد التنسيق الأمريكي والأممي بشأن دفع العملية السياسية، مقابل استمرار الخلاف حول طبيعة التسوية النهائية للنزاع.
في هذا السياق قد تشكل التغييرات التي شهدتها “المينورسو” خلال الأشهر الأخيرة مؤشرات أولية على النقاش الذي سيحتدم داخل مجلس الأمن، خصوصا إذا انتقل البحث من مجرد تمديد الولاية إلى تقييم طريقة عمل البعثة ومدى ملاءمة بنيتها الحالية للتحولات التي عرفها الملف.
وكان المغرب قد دعا بدوره على لسان وزير الخارجية ناصر بوريطة إلى مراجعة شاملة لبعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة واعتماد ولايات واقعية وقابلة للإنجاز، وهو ما يلتقي مع النقاش الأممي حول ضرورة تطوير نموذج حفظ السلام وربطه بنتائج سياسية واضحة.
لكن الاختبار الحقيقي سيبقى في القرارات التي ستخرج بها الأمم المتحدة، فإذا استمر مسار إعادة الهيكلة خلال المرحلة المقبلة، وترافق مع تعديل في الموارد أو الانتشار أو طبيعة المهام، فقد يكون ذلك مؤشرا على انتقال تدريجي في طريقة حضور “المينورسو” بالصحراء. أما إذا توقفت التغييرات عند حدود إعادة توزيع المسؤوليات وتقليص بعض النفقات، فسيبقى الأمر في إطار إعادة تنظيم داخلية لا أكثر.
وبين الاحتمالين، يقترب موعد أكتوبر باعتباره محطة كاشفة: ليس فقط لمعرفة ما إذا كانت ولاية “المينورسو” ستجدد وإنما لمعرفة ما إذا كانت البعثة نفسها ستواصل العمل بالمنطق الذي حكم حضورها منذ 1991، أم أن التحولات السياسية والميدانية بدأت تفرض عليها صيغة مختلفة












