المغرب يرسم مستقبل الطاقة النظيفة… استثمارات ضخمة ورؤية طموحة تبحث عن ملامحها الاجتماعية والتنموية

محرر مقالات9 ديسمبر 2025
المغرب يرسم مستقبل الطاقة النظيفة… استثمارات ضخمة ورؤية طموحة تبحث عن ملامحها الاجتماعية والتنموية

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

يدخل المغرب مرحلة جديدة في انتقاله الطاقي مع إطلاق مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط برنامجه الأخضر، الذي يشكل أكبر تحول صناعي طاقي في تاريخ المجموعة وفي تاريخ الصناعة الوطنية. المشروع الذي يمتد بين 2023 و2027 بكلفة تتجاوز 13 مليار دولار، لا يهدف فقط إلى ضمان استقلال المجمع من الكهرباء بل إلى إعادة تشكيل منظومة الإنتاج عبر مصادر متجددة، وتطوير صناعة الأمونيا الخضراء، والتحرك تدريجيا نحو الحياد الكربوني سنة 2040. وهي خطوة لم تعد خيارا ترفيا بل ضرورة يفرضها السوق الدولي الذي يتجه بسرعة نحو منتجات منخفضة الانبعاثات وعلى رأسها الأسمدة.

 

هذا التحول يضع المغرب أمام لحظة محورية: الانتقال من بلد منتج للكهرباء النظيفة إلى بلد يصنع الطاقة ويستثمرها داخل الصناعة الكيماوية في خريبكة، تتجسد هذه الرؤية من خلال المزرعة الشمسية الجديدة بقدرة 105 ميغاواط، التي أصبحت أكبر محطة شمسية للمجمع ضمن شبكة أوسع تبلغ 202 ميغاواط في المرحلة الأولى. هذا المشروع يعيد رسم الدور التاريخي للمدينة التي لطالما ارتبط اسمها بالفوسفاط، لتدخل اليوم نادي المناطق المنتجة للطاقة النظيفة، مع أول ربط من نوعه بين منشآت OCP والمكتب الوطني للكهرباء لضمان تنويع مصادر التزويد.

 

ويكتسب هذا التحول بعدا إضافيا من خلال دخول المجمع سوق تخزين الطاقة عبر استعمال بطاريات بنظام BESS بقدرة 25 ميغاواط و125 ميغاواط في الساعة، وهي سابقة في الصناعة المغربية. الهدف هو تمكين المجمع من مرونة طاقية أكبر، وخفض التكاليف، والاستعداد لمرحلة لاحقة قد تتجاوز فيها قدرة الإنتاج 5 جيغاواط بحلول 2030، ثم 13 جيغاواط في أفق 2032. بهذا المعنى، لا يتعلق الأمر بمحطة واحدة أو منشأة معزولة، بل بمنظومة طاقية متكاملة تضع المغرب في طليعة المنتجين الإقليميين للطاقة الخضراء.

 

رغم قوة هذا المسار فإن النقاش الاقتصادي يبقى مفتوحا حول ملامح الاستفادة الداخلية. فالمشروع بحجمه ونطاقه، ينتظر منه أن يفتح آفاقا واسعة للتشغيل والبحث العلمي والصناعات المكملة، لكنه في المقابل يخلق فرص شغل محدودة: 36 منصبا قارا فقط، و1600 منصب خلال مرحلة البناء. وهو ما يثير سؤالا مشروعا لدى المتتبعين وسكان المنطقة: هل يعكس هذا الرقم حجم التحول الذي يروّج له؟ أم أنه يعبر عن طبيعة التكنولوجيا الخضراء التي تعتمد على الأتمتة العالية وقلة اليد العاملة المباشرة؟

 

التحليل الاقتصادي يوضح أن مشاريع الطاقة المتجددة، مهما بلغت ضخامتها، لا تنتج وظائف كثيرة بشكل مباشر، لأنها تعتمد على معدات وتقنيات جاهزة ونظم تشغيل ذاتية. غير أن هذا التفسير لا يمنع طرح أسئلة حول ضرورة مرافقة المشروع ببرامج اجتماعية واضحة، خصوصا في مدينة مثل خريبكة التي تحملت أكثر من قرن من الاستغلال المنجمي، وتعاني من ندرة البدائل الاقتصادية وتاريخ طويل من البطالة المرتبطة بمهن المناجم.

 

التحول الطاقي يفتح أيضا نقاشا بيئيا حساسا في خريبكة مدينة عانت من الغبار الفوسفاطي، وتلوث التربة، وانتشار السيليكوز، والضغط المستمر على الموارد المائية. لذلك يرى خبراء البيئة أن المرحلة الجديدة يجب أن تكون مناسبة لإطلاق مشروع بيئي موازٍ يعالج إرث 105 سنوات من الأنشطة المنجمية، ويجعل الطاقة الخضراء مدخلا لتحقيق عدالة بيئية حقيقية، وليس فقط تغييرا في مصادر الطاقة المستهلكة داخل المنشآت.

 

وعلى المستوى الوطني يطرح المشروع أسئلة أكبر تتعلق بحدود الفائدة المباشرة للمغرب: هل ستؤدي هذه الاستثمارات إلى تخفيض كلفة الطاقة للصناعة الوطنية خارج OCP؟ وهل يمكن تحويل الفائض الطاقي المستقبلي إلى عنصر تنافسي للصناعة المغربية ككل؟ ثم ما موقع الأقاليم الجنوبية ضمن هذا التحول، خصوصا وأنها مرشحة لاستقبال أكبر المشاريع الهيدروجينية في المستقبل؟ وهل سيمتد أثر هذا التحول إلى خلق اقتصاد محلي جديد في الجنوب قائم على الابتكار، اللوجستيك الأخضر، والصناعة المرتبطة بالطاقات المتقدمة؟

 

في خلفية هذا المشهد يتقدم سؤال مركزي: هل ينجح المغرب في تحويل هذا البرنامج من مشروع موجّه لتقوية سلسلة إنتاج الأسمدة فقط، إلى رافعة شاملة تعزز السيادة الطاقية، وتخلق فرصا اقتصادية داخلية، وتمنح المدن المنجمية والجنوبية بديلا تنمويا متينا؟

 

المؤكد أن المغرب دخل فعلا مرحلة جديدة من تاريخه الطاقي، عبر مشروع ضخم ينسجم مع التحولات العالمية ويعزز موقع البلاد في سوق الطاقة النظيفة. لكن نجاح هذا المسار لن يقاس بحجم الألواح الشمسية، ولا بمساحات الحقول الريحية، بل بقدرته على خلق أثر ملموس: أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي ينعكس على حياة الناس، ويمنح هذا التحول الأخضر ملامح تنموية واضحة، تكمل الصورة الطموحة التي يرسمها المغرب لمستقبله الطاقي.

الاخبار العاجلة