العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
شكلت الزيارة التاريخية التي قام بها سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدى المملكة المغربية ديوك بوكان الثالث إلى مدينة العيون، محطة دبلوماسية بالغة الدلالة، ليس فقط لأنها أول زيارة لسفير أمريكي إلى حاضرة الأقاليم الجنوبية منذ سنوات، بل لأنها جاءت محملة برسائل سياسية واستراتيجية واقتصادية تعكس متانة التحالف المغربي الأمريكي، وتؤكد أن قضية الصحراء المغربية انتقلت في الرؤية الأمريكية، من مرحلة الدعم السياسي إلى مرحلة تجسيد هذا الدعم عبر مشاريع استثمارية وتنموية على أرض الواقع.
وتزامنت هذه الزيارة مع احتفالات المملكة بالذكرى السابعة والعشرين لاعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش، وفي السنة التي يخلد فيها البلدان مرور 250 سنة على العلاقات الدبلوماسية بين المغرب والولايات المتحدة، وهي أقدم علاقة دبلوماسية مستمرة في تاريخ الولايات المتحدة، منذ أن كان المغرب أول دولة اعترفت باستقلالها سنة 1777، وهو ما يجعل الشراكة بين الرباط وواشنطن تتجاوز المصالح الظرفية إلى تحالف تاريخي راسخ.
وخلال كلمته بمدينة العيون شدد السفير الأمريكي على أن الولايات المتحدة “تقف إلى جانب المغرب من طنجة إلى الداخلة وما بعدها”، في رسالة واضحة تؤكد أن الأقاليم الجنوبية جزء لا يتجزأ من التراب المغربي في التصور الأمريكي، قبل أن يجدد التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل “المسار الوحيد ذي المصداقية” للتوصل إلى حل دائم للنزاع، مشيراً إلى أن أكثر من مائة دولة أصبحت تدعم هذا التوجه، وأن الوقت قد حان لإنهاء حالة الجمود وفتح مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار في المنطقة.
ولم يقتصر الخطاب الأمريكي على الجانب السياسي، بل ترجم إلى خطوة عملية غير مسبوقة، بإعلان أول تمويل حكومي أمريكي موجه للقطاع الخاص في الصحراء المغربية، عبر منحة من الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية لإنجاز الدراسات التقنية الخاصة بمشروع ضخم لإنتاج الطاقة والأمونيا بمدينة العيون، تقوده شركة أمريكية ضمن ائتلاف استثماري. واعتبر السفير أن المشروع سيخلق مئات مناصب الشغل، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستثمارات الأمريكية في الأقاليم الجنوبية، مؤكدا أن “هذه ليست سوى البداية”، وأن الشركات الأمريكية ترى في الصحراء المغربية فضاء واعدا للاستثمار بفضل ما يوفره المغرب من استقرار ورؤية واضحة وشركاء موثوقين.
وفي تصريح صحفي على هامش الحفل ذهب بوكان أبعد من ذلك، عندما أكد أن العلاقات المغربية الأمريكية “أقوى من أي وقت مضى”، بفضل قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مجددا التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الوحيد للتوصل إلى حل عادل ودائم، وأن الإطار الذي أقره مجلس الأمن أصبح جاهزا وأن “استمرار الوضع القائم لم يعد خيارا”، في موقف يعكس رغبة واشنطن في الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع.
كما حمل تصريح السفير بعدا رمزيا حين قال: “أمريكا موجودة اليوم في الصحراء المغربية”، معتبرا أن إطلاق اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع تيزنيت الداخلة، إلى جانب التمويل الأمريكي الجديد، يجسدان انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى جديد يقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا، وليس فقط على التنسيق السياسي والدبلوماسي.
إن هذه الرسائل الأمريكية تأتي في سياق دولي يتسم بتزايد الاعترافات والدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، وبالتوازي مع الحركية الاقتصادية الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية بفضل النموذج التنموي الجديد الذي أطلقه الملك محمد السادس، وهو ما يجعل الصحراء المغربية تتحول تدريجيا إلى منصة استراتيجية للطاقة النظيفة، والاستثمار، والربط بين أوروبا وإفريقيا.
وبذلك لم تعد زيارة السفير الأمريكي إلى العيون مجرد محطة بروتوكولية، بل شكلت إعلانا سياسيا واقتصاديا واضحا بأن واشنطن ماضية في ترجمة مواقفها إلى مشاريع ملموسة، وبأن الشراكة المغربية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار، والتنمية، وترسيخ الاعتراف العملي بسيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية، في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة أمام الأطروحات الانفصالية، ويتعزز الزخم الدولي الداعم للمبادرة المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لإنهاء هذا النزاع الإقليمي











