العيون على طريق صناعة الأمونيا الخضراء.. KBR الأمريكية تتولى الهندسة الأولية ب4.5 مليار دولار 

محرر مقالات15 أغسطس 2026
العيون على طريق صناعة الأمونيا الخضراء.. KBR الأمريكية تتولى الهندسة الأولية ب4.5 مليار دولار 

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

لم يعد الحضور الأمريكي في الأقاليم الجنوبية للمملكة يقتصر على المواقف السياسية والدبلوماسية، بل بدأ يأخذ شكلا اقتصاديا وتقنيا أكثر وضوحا، مع انتقال مشروع إنتاج الأمونيا منخفضة الكلفة في مدينة العيون إلى مرحلة جديدة من التطوير تقودها شركات أمريكية متخصصة في التكنولوجيا والهندسة والطاقة.

 

فبعد توقيع الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية USTDA في 28 يوليوز الماضي بمدينة العيون، اتفاقا مع شركة ORNX Laayoune 1 SASU لتمويل الدراسات الهندسية الأولية للمشروع، أعلنت شركة KBR الأمريكية في 12 غشت الجاري توليها توفير التكنولوجيا والخدمات الهندسية الخاصة بمرحلة ما قبل التصميم الهندسي الأولي، في خطوة تضيف بعدا تقنيا وصناعيا جديدا إلى المشروع.

 

يستهدف المشروع عند دخوله مرحلة الإنتاج، إنتاج ما يصل إلى 560 ألف طن من الأمونيا سنويا، بالاعتماد على نحو 900 ميغاواط من قدرات التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين، ضمن منظومة صناعية متكاملة ترتكز على الطاقات المتجددة، تشمل أكثر من 2 غيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب أنظمة لتخزين الكهرباء ومحطة لتحلية مياه البحر.

 

تكمن أهمية المستجد الأخير في أنه يضيف إلى المشروع بعدا يتجاوز الإعلان عن استثمار مرتقب. فالاتفاق الموقع في العيون مع USTDA خصص تمويلا قدره 5.7دولار لدراسة مرحلة ما قبل التصميم الهندسي الأولي، على أن تنجز الدراسة مجموعة من الشركات الأمريكية تقودها KBR، بمشاركة GE Vernova وElectric Hydrogen وTerabase.

 

وستشمل هذه المرحلة تقييم تكنولوجيا التحليل الكهربائي ودراسة خيارات إمدادات الطاقة، وتحديد الحجم والتكوين الأمثل للمكونات الصناعية إلى جانب إعداد النماذج المالية ودراسة الجدوى التجارية للمشروع. كما أكد الرئيس التنفيذي لـORNX، بيتر غيش، أن هذا التمويل يستهدف تسريع التطوير التقني والتجاري للمشروع وصولا إلى مرحلة التصميم الهندسي الكامل وقرار الاستثمار النهائي.

 

هنا تحديدا تكمن دلالة إعلان KBR فالحضور الأمريكي لا يظهر فقط في التمويل أو في المشاركة الدبلوماسية، وإنما يدخل إلى قلب المنظومة التقنية التي يفترض أن تقوم عليها المنشأة المستقبلية.

 

المشروع الذي تطوره ORNX هو منصة متكاملة لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتحويله إلى أمونيا منخفضة الكلفة. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن حجم الاستثمار المستهدف يبلغ نحو 4.5 مليارات دولار، مع تطوير أكثر من 2 غيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية، وحوالي 900 ميغاواط من أجهزة التحليل الكهربائي، فضلا عن التخزين وتحلية مياه البحر. وفي مرحلته الأولى يرتقب إنتاج حوالي 100 ألف طن من الهيدروجين الأخضر سنويا، وتحويله إلى نحو 560 ألف طن من الأمونيا.

 

تتجاوز أهمية المشروع إنتاج الطاقة بحد ذاته إذ يرتبط بسلسلة صناعية عالمية تشمل إنتاج الهيدروجين، والأمونيا، والأسمدة، والتصدير، بما يمكن أن يجعل العيون مستقبلا جزءا من سلاسل القيمة الدولية المرتبطة بالطاقة منخفضة الكربون.

 

اختيار العيون لاحتضان هذا المشروع يحمل بدوره دلالات اقتصادية واستراتيجية. فالمنطقة تتوفر على مؤهلات كبيرة في مجال الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والريحية، كما أن موقعها الأطلسي يمنح المشاريع المستقبلية إمكانات للارتباط بالأسواق الدولية.

 

وبذلك فإن الرهان لا يتعلق فقط بإنتاج الأمونيا للاستهلاك المحلي وإنما ببناء قاعدة إنتاجية يمكنها، على المدى البعيد الارتباط بالطلب العالمي على مشتقات الهيدروجين الأخضر.

 

وهذا ما يجعل المشروع جزءا من التحول الذي يسعى المغرب إلى ترسيخه في مجال الطاقة: الانتقال من مجرد مستهلك للطاقة إلى منتج ومصدر محتمل للطاقة الخضراء ومشتقاتها.

 

لكن البعد الأكثر دلالة في مشروع ORNX يرتبط بطبيعة المشاركة الأمريكية. ففي 28 يوليوز، لم توقع USTDA الاتفاق في واشنطن أو الرباط، وإنما في مدينة العيون، بحضور السفير الأمريكي لدى المغرب ديوك بوكان الثالث، ومسؤولين ترابيين ومنتخبين وفاعلين اقتصاديين.

 

الأهم أن الوكالة الأمريكية نفسها وصفت المشروع بأنه فرصة اقتصادية مهمة للأقاليم الجنوبية، بينما قال السفير الأمريكي إن الموافقة على التمويل تبرز الأهمية الاستراتيجية للاستثمار الأمريكي في الصحراء المغربية، مؤكدا أن الشركات الأمريكية تفتح من خلال هذه المشاريع آفاقا جديدة للصادرات وخلق فرص العمل في المغرب والولايات المتحدة.

 

هذا المعطى يمنح المشروع قيمة تتجاوز حساباته الاستثمارية المباشرة. فواشنطن لا تكتفي بإعلان موقف سياسي من قضية الصحراء المغربية، بل تترجم جانبا من هذا التوجه عبر تشجيع الشركات الأمريكية على الانخراط في مشاريع اقتصادية بالأقاليم الجنوبية. هنا يصبح الاستثمار جزءا من مسار أوسع سياسة أمريكية تجمع بين الموقف الدبلوماسي، والتعاون الاقتصادي، والتكنولوجيا والاستثمار المباشر وغير المباشر.

 

منذ إعلان الولايات المتحدة سنة 2020 اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، ارتبط الموقف الأمريكي بتشجيع الاستثمارات في المنطقة. ويأتي مشروع ORNX ليقدم أحد أوضح الأمثلة العملية على انتقال هذا الموقف من المستوى السياسي إلى مستوى اقتصادي ملموس.

 

وبهذا فإن دخول مؤسسة حكومية أمريكية مثل USTDA في تمويل الدراسات الأولية، ثم تولي شركات أمريكية كبرى مهام تقنية وهندسية في المشروع، يمنح الحضور الاقتصادي الأمريكي في المنطقة مضموناً أكثر مؤسساتية واستدامة.

الاخبار العاجلة