العيون الآن.
يوسف بوصولة-العيون
شكل إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يوليوز 2024 دعم بلاده لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كإطار للحل السياسي لقضية الصحراء نقطة انطلاق استراتيجية في مسار العلاقات المغربية الفرنسية. هذا الموقف لم يكن مجرد بيان دبلوماسي تقليدي، بل نقل باريس من موقع الدعم العام للمسار الأممي إلى تبني صريح لمقاربة تعتبر الحكم الذاتي أساسًا واقعيا للحل، في انسجام مع قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى حل سياسي عملي ودائم قائم على التوافق، ما أعاد فرنسا إلى قلب المعادلة الدبلوماسية للنزاع ومنحها موقعا واضحا كشريك استراتيجي للرباط في لحظة إقليمية حساسة.
توج هذا التحول في 28 أكتوبر 2024 بزيارة رسمية للرئيس ماكرون إلى المغرب، حملت رسائل سياسية واضحة عبر التأكيد المتكرر على دعم فرنسا لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وتوقيع حزمة من الاتفاقيات الاستراتيجية في مجالات النقل والطاقة والصناعة والبنية التحتية. وشملت هذه الاتفاقيات مشاريع كبرى مثل عقود في قطاع السكك الحديدية مع شركة ألستوم واستثمارات في الهيدروجين الأخضر، إضافة إلى آليات تمويل مشتركة لدعم التنمية الاقتصادية، كما تعزز التعاون الأمني من خلال إعلانات نوايا لتبادل الخبرات في حماية المدنيين وإدارة الكوارث. شكلت هذه الزيارة مرحلة تثبيت سياسي وتنفيذي، انتقل فيها الموقف الفرنسي من مجرد تصريح إلى شراكات عملية على أرض الواقع، وهو ما مهد الطريق لمتابعة دينامية التعاون على مختلف المستويات.

وفي 17 فبراير 2025 قامت وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي بزيارة رسمية للأقاليم الجنوبية شملت العيون والداخلة، في أول حضور حكومي فرنسي بعد الموقف الرسمي الجديد. في العيون، شاركت الوزيرة في أنشطة ثقافية داخل المكتبة الكبرى محمد السادس، وأعلن عن شراكة ثقافية تهدف إلى دعم تبادل المعرفة وحفظ التراث وتعزيز التعاون في الفنون والإبداع، إضافة إلى إعداد برامج تدريبية مشتركة بين مؤسسات ثقافية فرنسية وجامعات مغربية في مجالات الاقتصاد الإبداعي وإدارة الفضاءات الثقافية. وفي الداخلة أشرفت داتي على توقيع اتفاقيات إطار لتعزيز التكوين السينمائي والصناعات السمعية البصرية، وإطلاق برامج تعاون بين المعهد الفرنسي للسينما والهيئات المغربية للأفلام والموسيقى بهدف تبادل الخبرات وتنظيم ورشات تدريبية مشتركة. وقد جسدت هذه الزيارة انتقال التعاون الفرنسي المغربي في ملف الصحراء من مجرد تصريحات سياسية إلى حضور مؤسساتي ملموس في القطاعات الاجتماعية والثقافية مؤكدة على جدية الشراكة واستدامتها.

توجت الدينامية الثنائية بزيارة رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرار لارشيه رفقة وفد برلماني رفيع المستوى في الفترة ما بين 23 و26 فبراير 2025 بدعوة من رئيس مجلس المستشارين المغربي محمد ولد الرشيد. ركزت الزيارة على تعزيز التعاون البرلماني بين البلدين ولقاء كبار المسؤولين المغاربة، بما في ذلك رئيس الحكومة ووزير الشؤون الخارجية فضلا عن لقاء الجالية الفرنسية في المغرب. وكانت أبرز محطة في هذه الزيارة توجه لارشيه إلى العيون حيث التقى مسؤولي الجهة والمسؤولين المحليين وأكد أن حاضر ومستقبل الصحراء لا يمكن فصلهما عن السيادة المغربية، مشيرا إلى أن التعاون الثنائي يتجاوز النزاع ليشمل التنمية والاستقرار في الأقاليم الجنوبية، ما مثل دعما عمليا للموقف الفرنسي الجديد وتثبيتا مؤسساتيا له على المستوى التشريعي، وامتدادا للتقارب من السلطة التنفيذية إلى التشريعية.

على امتداد السنة الماضية تم توقيع وتنفيذ مجموعة واسعة من الاتفاقيات في قطاعات التعليم العالي والطاقة والنقل والصناعة والثقافة والأمن، شملت التعاون بين الجامعات المغربية والفرنسية، وإطلاق مركز بحث مشترك يضم مؤسسات كبرى مثل سوربون وCNRS والجامعة الدولية بالرباط، وبرامج تبادل طلابي وأكاديمي، واتفاقيات تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة بين شركات فرنسية ومؤسسات مغربية، إلى جانب استثمارات مشتركة في الموانئ والنقل البحري والصناعات الجوية، وتعزيز التعاون الأمني المدني بين وزارتي الداخلية في البلدين.
وبعد مرور اكثر من عام على إعلان فرنسا دعمها لمبادرة الحكم الذاتي، تتضح حصيلة التحول الفرنسي في أبعاد سياسية واقتصادية ودبلوماسية متداخلة. سياسيا تم تفعيل الدعم الفرنسي لمسار المغرب دوليا، بما في ذلك لعب دور مهم في تمرير القرار الأممي رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي يؤكد حلا سياسيا قائما على الحكم الذاتي ويضعه كمرجعية متسقة مع قرارات الأمم المتحدة، مع الإشارة إلى الدور البارز الذي لعبته فرنسا في الدفع باتجاه تمريره ضمن مجلس الأمن. اقتصاديا شهدت السنة تسارع العقود والاستثمارات المشتركة، ما يعكس توجها استراتيجيا نحو تنمية مستدامة مشتركة. دبلوماسيا توسع التشاور بين السلطات التنفيذية والتشريعية ليعكس رسوخ الثقة ومسارا أكثر استقرارا في العلاقات، ما جعلها نموذجا للشراكات متعددة المستويات التي تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة والأمن، في وقت تتطلب فيه الملفات الإقليمية حلولا عملية ومستدامة مع بقاء الصحراء في صلب هذا التحول











