العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
تقترب قضية الصحراء المغربية من محطة أممية جديدة في أكتوبر المقبل، لكن مجلس الأمن هذه المرة لن يناقش الملف ضمن السياق السياسي نفسه الذي حكمه خلال السنوات الماضية. فمنذ اعتماد القرار 2797 في أكتوبر الماضي شهد مسار النزاع تحولات متسارعة أعادت ترتيب موقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية داخل العملية السياسية، ودفعت عددا متزايدا من العواصم إلى التعامل معها باعتبارها قاعدة عملية للتفاوض أكثر من كونه مجرد مقترح من بين مقترحات أخرى.
خلال الأشهر الماضية لم يقتصر هذا التحول على البيانات الدبلوماسية المؤيدة للمغرب بل اتخذ أشكالا متعددة، من تكثيف الاتصالات الأمريكية والأممية، إلى إعادة تموضع أوروبي متزايد، وصولا إلى مواقف جديدة في أمريكا اللاتينية، بما جعل الملف يتحرك تدريجيا من مرحلة إدارة النزاع إلى البحث عن شروط تسوية سياسية قابلة للتنفيذ.
شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 إحدى أبرز محطات التحول خلال السنة الماضية، ليس فقط بسبب تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، وإنما أيضا بسبب الصيغة التي أعاد من خلالها تحديد الإطار السياسي للعملية التفاوضية.
فقد وضع القرار مبادرة الحكم الذاتي المغربية في موقع مركزي داخل المسار السياسي، ودعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات على أساسها، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق.
بذلك انتقلت المبادرة المغربية خطوة إضافية من كونها مقترحا قدمته الرباط سنة 2007 إلى عنصر أساسي في هندسة المسار الأممي نفسه.
هذا التحول لا يعني أن القرار الأممي حسم مسبقا شكل التسوية النهائية أو أن الحكم الذاتي أصبح نتيجة مفروضة، لكنه غير بصورة واضحة نقطة الانطلاق التي يفترض أن تتحرك منها المفاوضات المقبلة.
فالفرق بين أن يكون الحكم الذاتي أحد الخيارات المطروحة وبين أن يصبح أساسا للمفاوضات، يكمن في طبيعة العملية السياسية نفسها؛ ففي الحالة الأولى يمكن للأطراف الاستمرار في تقديم تصورات متعارضة دون أرضية مشتركة، بينما تفرض الحالة الثانية الانتقال إلى مناقشة تفاصيل الحل وإمكانات تطبيقه.
وبعد قرار مجلس الأمن، برز العامل الأمريكي بصورة أكثر وضوحا في إدارة المرحلة الجديدة. فالاتصالات التي جرت خلال الأشهر الماضية بين الإدارة الأمريكية والأطراف والدول المعنية، إلى جانب التحركات التي قام بها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، أظهرت أن واشنطن لم تعد تكتفي بدعم المسار الأممي من الخارج، وإنما أصبحت طرفا مؤثرا في محاولة دفعه نحو مرحلة تفاوضية جديدة.
تكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة بالنظر إلى أن الولايات المتحدة كانت قد اعترفت منذ دجنبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، قبل أن يتعزز حضورها في الملف خلال المرحلة الحالية من خلال الاتصالات السياسية المباشرة.
كما أن الجولات واللقاءات التي جرت خلال الأشهر الماضية عكست محاولة لبناء حد أدنى من الثقة بين الأطراف، وتهيئة الظروف لاستئناف مفاوضات أكثر تركيزا على مضمون الحل بدلا من إعادة إنتاج الخلافات السابقة حول طبيعة العملية السياسية. وفي هذا السياق أصبح دور دي ميستورا مرتبطا أكثر بقياس استعداد الأطراف للتفاعل مع الإطار الجديد الذي أفرزه القرار 2797، اكثر من إدارة جولات جديدة من المشاورات.
لم يكن التحول مقتصرا على واشنطن. فالموقف الأوروبي بدوره شهد خلال هذه السنة مزيدا من التقارب مع الإطار الذي حدده قرار مجلس الأمن، وإن ظل التعاطي الأوروبي أكثر حذرا من المقاربة الأمريكية.
وأصبح التركيز الأوروبي منصبا بدرجة أكبر على ضرورة العودة إلى المفاوضات، وتجنب التصعيد، ودعم جهود الأمم المتحدة، مع استمرار التأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع المغرب.
يكشف هذا التطور عن تحول في طريقة مقاربة عدد من العواصم الأوروبية للملف، حيث باتت قضية الصحراء مرتبطة بصورة أوضح بمصالح استراتيجية تتجاوز الجانب الدبلوماسي، وتشمل الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار والتجارة والعلاقات مع إفريقيا ومنطقة الساحل.
هذا البعد الجيوسياسي يفسر إلى حد كبير استمرار اتساع دائرة الدول التي أصبحت ترى في الاستقرار الإقليمي وفي الشراكة مع المغرب عاملا أساسيا في تحديد مواقفها من النزاع.
ومن أبرز مستجدات السنة أيضا انتقال دينامية الدعم للمغرب إلى مناطق كانت تقليديا أكثر انفتاحا على خطاب جبهة البوليساريو.
يشكل التحول الكولومبي أحد أبرز الأمثلة على ذلك، بعدم أعلنت بوغوتا في غشت الجاري، الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، بالتزامن مع تجميد علاقاتها مع ما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.
تكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن كولومبيا كانت قد أقامت علاقات مع الجبهة سنة 1985، ثم جمدتها سنة 2001 قبل أن تعيد حكومة غوستافو بيترو تفعيلها سنة 2022. وبذلك لم يعد التحول في المواقف الدولية مقتصرا على القوى الغربية الكبرى، بل بدأ يمتد إلى دول من أمريكا اللاتينية كانت لعقود جزءا من البيئة السياسية التي استفادت منها الجبهة الانفصالية.
تكشف كل التحولات أن النقاش الدولي حول الصحراء بدأ يرتبط بصورة متزايدة بمفاهيم الواقعية السياسية، والاستقرار الإقليمي، والشراكات الاقتصادية والأمنية، بدل الاقتصار على المقاربات التقليدية التي طبعت الملف خلال العقود الماضية.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية، شهدت الأقاليم الجنوبية للمغرب أيضا توسعا في المشاريع الاقتصادية والاستثمارات والانفتاح على شركاء دوليين.
ويمنح هذا التطور بعدا إضافيا للمواقف الدولية الجديدة، إذ لم تعد بعض الدول تكتفي بإعلان دعمها السياسي لمبادرة الحكم الذاتي، وإنما أصبحت تربط حضورها الاقتصادي والاستثماري في المنطقة بمسار العلاقات الثنائية مع المغرب.
وهنا يظهر أحد أهم التحولات التي عرفها الملف خلال السنة الأخيرة: انتقال جزء من النقاش من سؤال “كيف تتم إدارة النزاع؟” إلى سؤال “كيف يمكن بناء تسوية تنسجم مع الواقع السياسي والاقتصادي والاستراتيجي القائم؟”.
وهذا التحول يجعل الحكم الذاتي أكثر ارتباطا بالوقائع التي تتشكل على الأرض وبشبكة المصالح الدولية المتنامية مع المغرب، بالتوازي مع الخطاب الدبلوماسي.
في المقابليضع هذا المسار الجزائر وجبهة البوليساريو أمام واقع تفاوضي مختلف. فالمعادلة التي كانت تسمح بإبقاء الملف في دائرة الجمود لم تعد كما كانت، بعدما أصبح عدد متزايد من الأطراف الدولية يتعامل مع الحكم الذاتي باعتباره الإطار الأكثر واقعية للتسوية، فيما تراجعت قدرة الخيارات الأخرى على استقطاب الدعم السياسي نفسه.
ولا يعني ذلك أن الجزائر أو البوليساريو فقدتا القدرة على تعطيل المسار أو التأثير فيه، لكن كلفة الاستمرار في رفض الإطار التفاوضي الجديد أصبحت أعلى سياسيا، خصوصا في ظل استمرار الحضور الأمريكي والأممي، وتنامي الدعم الأوروبي، واتساع دائرة المواقف المؤيدة للمغرب في مناطق كانت محسوبة تقليديا على الجبهة.
وبذلك يصبح الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة هو مدى استعداد الأطراف للانتقال من تثبيت المواقف إلى التفاوض حول مضمون الحل.
ومع اقتراب أكتوبر تتجمع أمام مجلس الأمن حصيلة سنة كاملة من التحولات قرار 2797 وضع مبادرة الحكم الذاتي في قلب العملية السياسية والتحرك الأمريكي منح المسار زخما إضافيا، فيما أعادت أوروبا ترتيب مقاربتها ضمن اعتبارات استراتيجية أوسع، وبدأت دول في أمريكا اللاتينية مثل كولومبيا إعادة النظر في مواقفها السابقة.
أما دي ميستورا فتدخل تحركاته المقبلة وهو أمام مهمة مختلفة عن السنوات السابقة: اختبار ما إذا كان هذا التراكم الدولي قاد فعلا إلى أرضية تسمح بإطلاق مفاوضات ذات مضمون، أم أن الخلافات السياسية ستعيد المسار إلى مربع الانتظار.
ولهذا لن تكون محطة أكتوبر موعد عادي لتجديد ولاية بعثة المينورسو أو إصدار قرار أممي جديد، بل ستكون مناسبة لقياس اتجاه العملية السياسية برمتها. فإذا استمر التنسيق الأمريكي الأممي، وتواصلت الدينامية الأوروبية، واتسعت دائرة الدعم الدولي للحكم الذاتي، فقد يجد المسار نفسه أمام مرحلة جديدة يصبح فيها النقاش منصبا بصورة أكبر على كيفية تنفيذ التسوية، لا على البحث عن إطار جديد لها.
أما إذا ظلت المواقف متباعدة ولم تتحول التحركات الحالية إلى مفاوضات فعلية، فإن القرار 2797 سيظل محطة مهمة في إعادة صياغة قواعد العملية السياسية، دون أن ينجح بعد في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى اختراق نهائي.
لكن المؤكد أن ما بين أكتوبر الماضي وأكتوبر المقبل لم تكن سنة عادية في مسار قضية الصحراء؛ فقد شهد خلالها الملف انتقالا تدريجيا من إدارة الجمود إلى إعادة ترتيب شروط التفاوض، ومن اتساع الدعم السياسي للمغرب إلى بروز رهانات اقتصادية واستراتيجية تجعل تسوية النزاع مرتبطة أكثر بالواقع الإقليمي الجديد الذي يتشكل حول المملكة












