العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم يكن السبت 25 يوليوز 2026 يوما حزبيا عاديا بل بدا وكأنه إعلان غير رسمي عن انطلاق الحملة الانتخابية قبل موعدها. فمن سلا إلى الداخلة ثم العيون تحركت مكونات الأغلبية الحكومية في مشهد سياسي متسارع كشف أن مرحلة “تدبير الحكومة” بدأت تفسح المجال لمرحلة “التنافس على قيادة الحكومة المقبلة”.
في قصر المؤتمرات بسلا نجحت بنت الصالحين فاطمة الزهراء المنصوري، في خطف الأضواء بإعلانها التحاق فوزي لقجع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى جانب رئيس جهة الداخلة وادي الذهب الخطاط ينجا، بالمكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة في واحدة من أكبر عمليات الاستقطاب السياسي منذ انتخابات 2021.
الأمر تجاوز كونه التحاق اسمين بارزين الى رسالة سياسية مفادها أن “البام” قرر دخول معركة 2026 بسقف مرتفع، واضعا نصب عينيه تصدر المشهد الانتخابي.
رد حزب أحمد عصمان لم يتأخر كثيرا. فعلى بعد مئات الكيلومترات من سلا، كان ابن مدرسة أحمد عصمان عزيز أخنوش يقود لقاء حزبيا بمدينة الداخلة قبل أن ينتقل إلى جهة العيون الساقية الحمراء في تحرك حمل أكثر من رسالة سياسية وتنظيمية.
الرسالة الأولى جاءت مباشرة إلى “البام” عندما اختار أخنوش وصف ما يجري بـ”الميركاتو الانتخابي”، مؤكدا أن الأحزاب لا تبنى باستقطاب الأسماء في الدقائق الأخيرة، بل بالعمل الميداني والتأطير المستمر.
أما محمد أوجار فذهب أبعد من ذلك حين قال إن “الديمقراطية ليست ملعب كرة قدم”، في إشارة واضحة إلى فوزي لقجع، مضيفا أن الوطن لا يدار بمنطق الملاعب وأن الانتخابات ليست منافسة بين النجوم بل بين المشاريع. لم يكن هذا الخطاب موجها إلى المعارضة بل إلى شريك داخل الأغلبية الحكومية.
قبل أشهر فقط كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة يظهران باعتبارهما العمود الفقري للأغلبية الحكومية الى جانب حزب الاستقلال.
اليوم تغير المشهد… لم تعد المنافسة تدور داخل الاجتماعات المغلقة، بل انتقلت إلى المنصات الحزبية والخطابات الجماهيرية، حيث أصبح كل طرف يحاول إثبات أنه الأكثر جاهزية لقيادة المرحلة المقبلة.
في المقابل، يحاول “البام” تقديم نفسه كحزب قادر على استقطاب الكفاءات الوطنية والأسماء ذات الثقل السياسي والإداري، بينما يرد “الأحرار” بأن قوته لا تكمن في استقدام الأسماء وإنما في تكوينها داخل الحزب. إنه صراع هادئ شكلا… لكنه محتدم.
سياسيا لا يتعلق الأمر بعضوية فوزي لقجع داخل حزب سياسي فقط. لقجع يعد أحد أكثر الشخصيات حضورا في المشهد المغربي، يجمع بين تدبير المالية العمومية، وقيادة كرة القدم المغربية، والإشراف على ملف كأس العالم 2030.
وانضمامه إلى “البام” منح الحزب دفعة رمزية وإعلامية كبيرة وهو ما يفسر سرعة الرد التجمعي، سواء عبر أخنوش أو أوجار أو باقي قيادات الحزب.
فالرسائل التي خرجت من الداخلة لم تكن موجهة للرأي العام فقط، بل كانت محاولة لاحتواء الأثر السياسي الذي أحدثه انتقال أحد أبرز الوجوه الحكومية إلى صفوف الجرار.
غير أن “البام” يرى الأمر من زاوية مختلفة، إذ يعتبر أن استقطاب شخصيات وازنة يعكس جاذبية مشروعه السياسي وقدرته على استقطاب الكفاءات، وهو ما يجعل هذا التنافس مرشحا للتصاعد كلما اقترب موعد الاقتراع.
واللافت… غياب حزب علال الفاسي
وسط هذا الاشتباك السياسي بين “الحمامة” و”الجرار”، اختار الركن الثالث في الأغلبية الحكومية طريقا مختلفا.
فـحزب علال الفاسي بقيادة نزار بركة لم يدخل سباق التصريحات، ولم يعلن بعد عن مرشحيه، ولم يرد على استقطابات “البام”، كما لم ينخرط في السجال الذي يقوده “الأحرار”.
هذا الصمت لا يبدو في القراءة السياسية، دليلا على الغياب بقدر ما يعكس أسلوبا سياسيا مختلفا يقوم على التدرج في كشف الأوراق.
فالاستقلال وهو أحد أعرق الأحزاب المغربية راكم تجربة طويلة في تدبير المحطات الانتخابية، ويعرف أن المعارك التي تبدأ مبكرا قد تستنزف أصحابها قبل الوصول إلى يوم الاقتراع.
ومن ثم قد يكون الحزب اختار مراقبة ميزان القوى الجديد، وترك شريكيه في الأغلبية يستنزف أحدهما الآخر سياسيا وإعلاميا، قبل أن يدخل هو السباق في توقيت يراه أكثر نجاعة. ففي السياسة كما في الشطرنج، لا يفوز دائما من يحرك القطع أولا، بل من يعرف متى يحركها.
ما جرى هذا السبت يؤكد أن الانتخابات التشريعية المقبلة دخلت فعليا مرحلة العد العكسي.
“البام” ركب موجة الاستقطابات الكبرى ونجح في صناعة الحدث بإعلان التحاق أسماء من العيار الثقيل.
وحزب أحمد عصمان رد سريعا بخطاب الدفاع عن الحصيلة الحكومية، ورفض ما وصفه بـ”الميركاتو الانتخابي”، في محاولة للتأكيد أن الرهان يجب أن يكون على البرامج لا على الأسماء.
أما حزب علال الفاسي فلا يزال يراقب المشهد من موقع الهادئ الواثق، دون ضجيج أو استعجال، وكأنه يراهن على أن السياسة ليست سباق سرعة بل سباق نفس طويل.
وبين هذا وذاك تبدو الأغلبية الحكومية وكأنها دخلت أول اختبار انتخابي وهي لا تزال تجلس حول طاولة حكومة واحدة، لكنها تخوض في الواقع، ثلاث حملات سياسية مختلفة، لكل حزب منها حساباته وأسلوبه، ورهانه على قيادة المشهد بعد انتخابات 23 شتنبر 2026.











