الدولة الاجتماعية… ماذا يكشف التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي عن واقع المغارب

محرر مقالات9 يونيو 2026
الدولة الاجتماعية… ماذا يكشف التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي عن واقع المغارب

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة- العيون

مع صدور التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي برسم سنة 2025، تتضح بشكل أدق ملامح أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي أطلقتها المملكة خلال العقود الأخيرة. فالأرقام التي كشف عنها التقرير لا تعكس فقط حجم الموارد التي جرى تعبئتها لدعم الأسر الهشة، بل تقدم أيضا صورة عن التحولات العميقة التي تعرفها السياسة الاجتماعية بالمغرب، وعن طبيعة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ما تزال تواجه شريحة واسعة من المواطنين.

يكشف التقرير أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر أصبح يشمل نحو 3.9 ملايين أسرة، يستفيد منه ما يزيد عن 12.5 مليون مواطن، بينهم 5.5 ملايين طفل و1.7 مليون شخص من كبار السن، وهي أرقام تجعل من هذا البرنامج أكبر آلية للحماية الاجتماعية والاستهداف المباشر في تاريخ المملكة.

تعكس هذه المعطيات حجم التحول الذي شهده المغرب منذ إطلاق ورش الدولة الاجتماعية تحت القيادة الملكية، حيث انتقلت المقاربة العمومية من برامج متفرقة ومحدودة الأثر إلى منظومة موحدة تقوم على الاستهداف الرقمي والدقيق للفئات المستحقة عبر السجل الاجتماعي الموحد والسجل الوطني للسكان.

غير أن قراءة هذه الأرقام من زاوية أخرى تكشف أيضا حجم الهشاشة الاجتماعية التي ما تزال قائمة. فاستفادة أكثر من 12 مليون مواطن من الدعم المباشر تعني أن شريحة واسعة من المجتمع ما تزال تحتاج إلى مواكبة الدولة لمواجهة تحديات المعيشة وتداعيات التحولات الاقتصادية وارتفاع تكاليف الحياة، وهو ما يجعل من الدعم الاجتماعي ضرورة اجتماعية وليس مجرد خيار سياسي.

ومن بين أبرز المؤشرات التي توقف عندها التقرير، استفادة حوالي 1.37 مليون شخص من كبار السن من منحة شهرية تبلغ 500 درهم، في خطوة تستهدف توفير حد أدنى من الحماية لفئات ظلت لسنوات خارج منظومات التقاعد والتغطية الاجتماعية، خصوص في ظل الوزن الكبير للقطاع غير المهيكل داخل الاقتصاد الوطني.

كما يؤكد التقرير أن سنة 2025 شكلت مرحلة انتقالية من منطق التحويلات المالية المباشرة إلى ما وصفته الوكالة بمنطق “الاستثمار الاجتماعي”، حيث لم يعد الهدف مقتصرا على تقديم الدعم النقدي، بل أصبح موجها نحو تمكين الأسر وتعزيز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، من خلال برامج جديدة مرتقب إطلاقها خلال المرحلة المقبلة، من بينها “جواز الإدماج” وبرامج مواكبة الطفولة المبكرة.

وفي الجانب المؤسساتي يبرز التقرير نجاح الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي في بناء منظومة رقمية متكاملة تعتمد على السجل الاجتماعي الموحد ومنصة “asd.ma”، بما يسمح بتحسين حكامة الدعم وضمان وصوله إلى الفئات المستحقة وفق معايير موضوعية، في خطوة تعكس توجها متقدما نحو رقمنة السياسات الاجتماعية وتعزيز الشفافية.

وتكشف مضامين التقرير أن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في توسيع قاعدة المستفيدين، بل في تحويل الدعم الاجتماعي إلى رافعة للاندماج الاقتصادي والحد من الفقر بشكل مستدام. فنجاح الدولة الاجتماعية لا يقاس بعدد المستفيدين فقط، وإنما بقدرتها على تمكين الأسر من تجاوز دائرة الهشاشة والانتقال من الاعتماد على الدعم إلى المشاركة الفعلية في الدورة الاقتصادية.

وبين الأرقام الضخمة التي سجلها التقرير والطموحات المعلنة للمرحلة المقبلة، يبدو أن المغرب دخل بالفعل مرحلة جديدة في تدبير ملف الحماية الاجتماعية، عنوانها الانتقال من سياسة المساعدة إلى سياسة التمكين، ومن التدخل الظرفي إلى بناء نموذج اجتماعي مؤسساتي طويل الأمد، يضع الإنسان في صلب التنمية ويجعل العدالة الاجتماعية أحد أعمدة النمو والاستقرار.

الاخبار العاجلة