العيون الآن.
يوسف بوصولة
في خطوة توصف بأنها واحدة من أوسع الإصلاحات التي شهدها قطاع التكوين الطبي بالمغرب منذ عقود، كشفت الحكومة عن مضامين النظام الأساسي الجديد لطلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان في طور التكوين، في إطار ورش إصلاح المنظومة الصحية الوطنية وتنزيل التوجيهات الملكية المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية.
خلال ندوة صحفية مشتركة قدم كل من أمين التهراوي وزير الصحة والحماية الاجتماعية، وعز الدين ميداوي وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار أبرز مستجدات المرسوم رقم 2.26.342، الذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره بالجريدة الرسمية بتاريخ 4 ماي 2026، واضعا بذلك حداً لإطار تنظيمي ظل معمولا به منذ سنة 1993.
يهدف هذا الإصلاح إلى إعادة هيكلة مسارات التكوين الطبي وتحسين جاذبية القطاع العمومي، عبر الانتقال من منطق “الإلزام الإداري” إلى مقاربة قائمة على التحفيز والاستقرار المهني، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي يعرفها القطاع الصحي بالمملكة.
من أبرز المستجدات التي حملها النظام الجديد، التقليص التدريجي لمدة الالتزام المفروض على الأطباء الاختصاصيين للعمل بالقطاع العام، حيث سيتم الانتقال من نظام كان يفرض ثماني سنوات من الخدمة الإلزامية إلى ثلاث سنوات فقط في صيغته النهائية ابتداء من سنة 2032.
ووفق الجدولة الانتقالية التي حددها المرسوم، ستبلغ مدة الالتزام ست سنوات بالنسبة لأفواج 2024 و2025، قبل أن تنخفض تدريجيا إلى خمس ثم أربع سنوات، وصولا إلى ثلاث سنوات فقط بالنسبة للأفواج المتخرجة ابتداء من سنة 2032.
ويرى متابعون أن هذا الإجراء يحمل بعدا تحفيزيا مهما، خاصة في ظل الانتقادات التي كانت توجه سابقا لطول مدة الالتزام، والتي اعتبرها كثير من طلبة الطب أحد أسباب العزوف عن القطاع العمومي أو التفكير في الهجرة المهنية نحو الخارج.
كما حمل الإصلاح مستجدا مهما يتعلق بمباراة الولوج إلى سلك الداخلية، حيث أصبح بإمكان الطلبة اجتيازها ابتداء من نهاية السنة الرابعة بدل الخامسة، في خطوة تروم تسريع مسار التخصص وتقليص الزمن التكويني للأطباء الاختصاصيين.
يأتي هذا القرار في سياق سعي الدولة إلى سد الخصاص المتزايد في عدد من التخصصات الطبية، خاصة بالمناطق البعيدة والجهات التي تعاني نقصا حاداً في الموارد البشرية الصحية.
وعلى مستوى الوضعية المهنية والاجتماعية نص المرسوم الجديد على إقرار إطار نظامي واضح ومؤدى عنه لفائدة الأطباء المقيمين، مع تعيينهم ابتداء من السنة الأولى من الإقامة في الدرجة الأولى ضمن إطار الأطباء أو الصيادلة أو جراحي الأسنان، مع الاستفادة من الرقم الاستدلالي 509.
ويهدف هذا الإجراء إلى إنهاء بعض أشكال الهشاشة المهنية التي كانت تطرح داخل مسار التكوين الطبي، عبر توفير استقرار إداري ومادي أفضل للمقيمين خلال فترة التخصص.
ومن بين أبرز التحولات التي جاء بها الإصلاح أيضا، إدماج طلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان تدريجيا داخل المجموعات الصحية الترابية، في إطار رؤية جديدة تهدف إلى ربط التكوين بالحاجيات الصحية الفعلية لكل جهة.
وسيتيح هذا النموذج الجديد تعزيز البعد الترابي للتكوين الطبي، وملاءمة تخصصات الأطباء مع الخصاص المسجل على المستوى الجهوي، بما يدعم التوزيع العادل للموارد الصحية عبر مختلف مناطق المملكة.
تراهن الحكومة على هذا الإصلاح لتقوية العرض الصحي الوطني بشكل ملموس خلال السنوات المقبلة، خاصة بعد رفع الطاقة الاستيعابية لكليات الطب بنسبة 133 في المائة بين سنتي 2020 و2025.
ووفق التقديرات الرسمية سيمكن النظام الجديد من إدماج أزيد من 6641 طبيبا اختصاصياً إضافياً داخل القطاع العام بحلول سنة 2032، مع بلوغ معدل يقارب 2000 خريج سنوياً في أفق سنة 2030، مقابل حوالي 1300 فقط وفق النظام السابق.
ويرى متابعون أن هذا الإصلاح يشكل محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات الدولة في توفير الموارد البشرية الصحية، وبين مطالب طلبة الطب المتعلقة بتحسين ظروف التكوين والمسار المهني، في ظل الرهان الكبير الذي يواجهه المغرب لتأهيل منظومته الصحية ومواكبة الطلب المتزايد على الخدمات الطبية.











