العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
صادق مجلس النواب مساء الإثنين 04 ماي 2026، بالأغلبية على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في خطوة أعادت النقاش إلى واجهة المشهد الإعلامي والسياسي وسط تباين واضح بين رؤية حكومية تعتبره إصلاحا مؤسساتيا، ومواقف معارضة تحذر من تداعياته على حرية الصحافة واستقلالية المهنة.
حظي المشروع بتأييد 70 نائباً مقابل معارضة 25 في جلسة عكست استقطابا حادا، لا يقتصر على التفاصيل التقنية للنص بل يمتد إلى طبيعة التنظيم الذاتي وحدود التدخل في الحقل الإعلامي.
قدمت الحكومة على لسان الوزير محمد المهدي بنسعيد المشروع باعتباره محطة مفصلية لتحديث المشهد الإعلامي، مؤكدة أنه يهدف إلى تحقيق توازن بين حرية الصحافة كحق دستوري، وضرورة احترام أخلاقيات المهنة.
كما شددت مكونات الأغلبية على أن النص يستجيب لملاحظات المحكمة الدستورية، ويسعى إلى سد الفراغات القانونية التي أفرزتها التجربة السابقة، مع تعزيز الحكامة والشفافية داخل المجلس.
في المقابل ترى المعارضة أن المشروع لم يرقَ إلى مستوى الإصلاح الحقيقي معتبرة أنه لم يستوعب روح ملاحظات المحكمة الدستورية، واكتفى بمعالجة جزئية لا تمس جوهر الإشكالات المرتبطة بالتنظيم الذاتي.
وفي تصريح خصّت به هذا جريدة العيون الأن قالت النائبة البرلمانية فاطمة التامني إن المشروع “لا يحقق التوازن المطلوب لأنه يتعامل مع أخلاقيات المهنة بمنطق الضبط والعقاب أكثر مما يتعامل معها بمنطق التنظيم الذاتي الديمقراطي”.
أضافت أن الخطر يكمن في تحويل الأخلاقيات إلى مدخل لتقييد حرية التعبير، معتبرة أن حرية الصحافة “حق دستوري وليس امتيازا تمنحه الحكومة”.
واعتبرت التامني أن آليات تشكيل المجلس تطرح إشكالا جوهريا مشيرة إلى وجود “توجه نحو إعادة هندسة المجلس على المقاس” بما قد يفتح المجال لتداخلات سياسية أو إدارية.
وترى أن هذه المقاربة قد تفرغ المجلس من روحه المهنية، وتحوله إلى مؤسسة شكلية لا تعكس حقيقة الجسم الصحفي ولا تدافع عن استقلاليته.
وعلى مستوى التمثيلية سجلت البرلمانية ذاتها أن موقع النساء داخل المجلس “ما زال هامشياً” في غياب آليات واضحة وملزمة لضمان المناصفة.
واعتبرت أن أي إصلاح لا يضمن حضورا فعليا للنساء داخل مؤسسات التنظيم الذاتي “يبقى شعارا أكثر منه تحولا حقيقيا”، خاصة في ظل اختلالات بنيوية يعرفها القطاع.
وبالنظر الى غياب تصور واضح لتمثيلية الجهات خاصة الأقاليم الجنوبية. اعتبرت التامني أن المقترحات الداعية إلى إشراك تمثيلية عن هذه الأقاليم “مشروعة ومفهومة”، لكنها سجلت أن المشروع يعيد إنتاج نفس المركزية دون استيعاب فعلي للبعد المجالي.
أن هذا النقاش يتجاوز البعد التقني للتمثيلية ليطرح سؤالا أعمق مرتبطا بدور الإعلام الجهوي في القضايا الاستراتيجية وعلى رأسها ملف الصحراء المغربية.
فالصحافة الجهوية في الأقاليم الجنوبية لم تعد مجرد امتداد إعلامي محلي، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى فاعل أساسي في نقل صورة التحولات التنموية والدينامية الدبلوماسية التي تعرفها المنطقة، خاصة في ظل التراكمات التي يشهدها هذا الملف على المستوى الدولي.
وفي هذا السياق يبرز دور هذه الصحافة كخط دفاع أول في معركة السرديات، ومواكبة التحولات المرتبطة بالقضية الوطنية في مرحلة توصف بأنها مفصلية، خصوصا مع التطورات التي أعقبت القرار الأممي قرار مجلس الأمن 2797 الذي عزز مسار الحل السياسي.
وبالتالي فإن تغييب تمثيلية حقيقية لهذه الأقاليم داخل مؤسسة بحجم المجلس الوطني للصحافة، لا يطرح فقط كإشكال مهني بل كاختلال في تمثيل فضاء إعلامي يضطلع بأدوار تتقاطع مع الرهانات الوطنية الكبرى.
وفي ما يتعلق بملاحظات المحكمة الدستورية اعتبرت التامني أن المشروع لم يستوعب روحها، بل تعامل معها بمنطق “الحد الأدنى”، بهدف تجاوز الإحراج القانوني أكثر من معالجة الاختلالات.
كما اتهمت الوزير باعتماد ما وصفته بـ”الهروب إلى الأمام”، عبر تمرير المشروع بسرعة وبالأغلبية دون فتح نقاش مهني واسع أو اعتماد مقاربة توافقية.
يعكس هذا الجدل عمق التوتر القائم بين مقاربة حكومية تركز على تأطير القطاع وضبطه، ومقاربة معارضة وحقوقية تدعو إلى تحصين التنظيم الذاتي وضمان استقلاليته.
وبين هذين المنظورين، يبقى الرهان الحقيقي ليس فقط في مضامين القانون بل في كيفية تنزيله، ومدى قدرته على كسب ثقة الفاعلين داخل الحقل الإعلامي. ففي قطاع يقوم أساسا على الحرية والمصداقية، قد لا يكون النص القانوني كافيا ما لم يترجم إلى ممارسة تعزز الاستقلالية وتحمي التعددية، وتؤسس لتنظيم ذاتي حقيقي بعيدا عن منطق التحكم أو الهيمنة











