العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
بعد سنوات من رفض المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة تجد جبهة البوليساريو نفسها اليوم أمام واقع دبلوماسي جديد فرضته التحولات الدولية، إذ انتقلت من رفض القرار الأممي رقم 2797 إلى القبول بالمشاركة في العملية السياسية التي يؤطرها، قبل أن تعود لاحقا إلى محاولة تعطيلها في وقت تتزايد فيه الضغوط الأمريكية والدولية على الجبهة وحاضنتها الجزائر.
إن قيادة البوليساريو أصبحت ترفض مناقشة جوهر العملية السياسية والمتمثل في تنزيل مبادرة الحكم الذاتي التي يعتبرها قرار مجلس الأمن رقم 2797 المعتمد في أكتوبر 2025، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي للنزاع حول الصحراء المغربية.
يبرز هذا الموقف تناقضا واضحا إذ كانت الجبهة قد أعلنت رفضها القاطع للقرار فور صدوره، قبل أن تقبل لاحقا تحت ضغط التطورات الدولية بالعودة إلى طاولة المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة وتحظى بدعم مباشر من الولايات المتحدة، لتعود بعد ذلك إلى التراجع عن الانخراط في مضمونها.
وشهدت الأسابيع الأولى من سنة 2026 تحركات دبلوماسية مكثفة بدأت بزيارة وفد من البوليساريو إلى واشنطن، خلال الفترة الممتدة بين 19 و23 يناير، على متن طائرة خاصة وفرتها السلطات الجزائرية في محاولة لإعادة طرح مواقف الجبهة أمام الإدارة الأمريكية.
غير أن هذه المساعي وفق المصدر ذاته اصطدمت بموقف أمريكي واضح يؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الإطار الوحيد للنقاش السياسي.
وتواصل هذا المسار بعقد اجتماع تمهيدي في واشنطن نهاية يناير قبل احتضان السفارة الأمريكية في مدريد يومي 8 و9 فبراير 2026 اجتماعات ضمت المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، بحضور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا، والمستشار الأمريكي المكلف بالشؤون الإفريقية مسعد بولس.
وخلال هذه الاجتماعات قدم المغرب عرضا مفصلا لتطوير مبادرة الحكم الذاتي قبل أن تستضيف واشنطن جولة ثانية يومي 23 و24 فبراير لتثبيت أسس العملية السياسية.
لكن وبعد مشاركتها في هذا المسار عادت البوليساريو إلى رفض مناقشة آليات تطبيق الحكم الذاتي، وهو ما اعتبره متابعون محاولة لإفراغ العملية التفاوضية من مضمونها.
ولا تنفصل تحركات البوليساريو، بحسب المعطيات ذاتها عن الموقف الجزائري الذي عرف بدوره تحولا لافتا.
فبعد سنوات من إعلان الجزائر أنها ليست طرفا في النزاع، بل مجرد “ملاحظ”، اضطرت إلى العودة للمشاركة في المسار السياسي. يعيد هذا التطور إلى الواجهة مواقف رسمية سابقة إذ أعلنت الجزائر عقب صدور القرار 2548 سنة 2020 رفضها اعتبار نفسها طرفا مباشرا، قبل أن تؤكد سنة 2021 رفضها النهائي لصيغة الموائد المستديرة.
غير أن هذا الموقف تغير بعد زيارة المستشار الأمريكي مسعد بولس إلى الجزائر في 27 يناير 2026، حيث التقى الرئيس عبد المجيد تبون ووزير الخارجية أحمد عطاف، حاملا رسالة أمريكية تدعو الجزائر إلى العودة إلى المسار التفاوضي متعدد الأطراف.
وبعد أيام فقط شارك أحمد عطاف في اجتماعات مدريد في خطوة عكست تحولا عمليا في الموقف الجزائري، رغم استمرار الخطاب الرسمي الذي حاول تقديم المشاركة باعتبارها لقاءات ثنائية عادية.
يأتي هذا التطور بعد سلسلة من التراجعات التي شهدتها السياسة الخارجية الجزائرية في ملفات مرتبطة بعلاقاتها مع شركاء دوليين، من بينهم إسبانيا وفرنسا.
في المقابل تتزايد الضغوط داخل الولايات المتحدة على جبهة البوليساريو. ففي الكونغرس الأمريكي يواصل مشروع قانون تصنيف الجبهة ضمن المنظمات الإرهابية الأجنبية مساره التشريعي، بقيادة النائب الجمهوري جو ويلسون في مجلس النواب والسيناتور تيد كروز في مجلس الشيوخ عبر مشروع S.4063.
وشهد المشروع دفعة جديدة في 9 يوليوز 2026 بعد انضمام النائبين سكوت ديجارلايس ومات فان إيبس، ليرتفع عدد الداعمين له إلى 16 عضوا في مجلس النواب. يرى محللون أن هذه التحركات تعكس تصاعد القناعة داخل دوائر القرار الأمريكية بضرورة إعادة تقييم الوضع القانوني والسياسي للجبهة في ظل ما تصفه بتزايد المخاوف المرتبطة بالاستقرار الإقليمي.
وبالتوازي مع هذا المسار بدأت واشنطن، وفق المؤشرات الأخيرة في توسيع دائرة التواصل مع فاعلين صحراويين آخرين، وهو ما عكسه اللقاء الذي جمع في 30 يونيو 2026، ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة بوفد عن حركة صحراويون من أجل السلام. ويعتبر مراقبون أن تزامن هذه التحركات مع الضغوط السياسية والتشريعية المتصاعدة، ومع استمرار اعتماد مجلس الأمن لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساس العملية السياسية، يعكس مرحلة جديدة من تطور الملف، تتسم بتضييق هامش المناورة أمام البوليساريو، مقابل ترسيخ الإطار الأممي الذي يقوده القرار 2797











