العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
بعد جولة قادتها إلى عدد من العواصم في إفريقيا الجنوبية، عادت جبهة البوليساريو إلى تفعيل قناتها الدبلوماسية مع جنوب إفريقيا، عبر تحرك عاجل قاد مسؤول خارجيتها إلى باريس حاملا رسالة من قيادة الجبهة إلى الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، في خطوة تعكس مساعيها لإعادة تقديم نفسها كطرف قادر على التأثير في مسار ملف الصحراء، في ظل سياق دولي يشهد تحولات متزايدة وتراجع عدد من أوراقها التقليدية.
واستقبل الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، يوم الجمعة 10 يوليوز بالعاصمة الفرنسية باريس محمد يسلم بيسط، المسؤول المكلف بالملف الدبلوماسي في جبهة البوليساريو، الذي سلمه رسالة خطية من زعيم الجبهة إبراهيم غالي، وجاء اللقاء على هامش زيارة رسمية يقوم بها رامافوزا إلى فرنسا تمتد إلى 12 يوليوز، وليس في العاصمة الجنوب إفريقية بريتوريا كما حاولت الجبهة الإيحاء بذلك في بلاغها.
وحسب معطيات متداولة حول اللقاء، فإن المهمة لم تقتصر على نقل رسالة سياسية، بل ارتبطت بمسعى أوسع يروم إقناع الرئيس الجنوب إفريقي بحمل مبادرة جديدة للبوليساريو إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال اللقاء الذي جمع رامافوزا بنظيره الفرنسي في قصر الإليزيه، بهدف منح هذه المبادرة امتدادا دوليا عبر إحدى العواصم الأوروبية الأكثر تأثيرا في الملف.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تحاول فيه البوليساريو إعادة صياغة خطابها الدبلوماسي بعد سنوات من الجمود السياسي، إذ تسعى إلى تقديم مقترحات تحمل قدرا من المرونة مقارنة بالمواقف السابقة، في محاولة لاستعادة الحضور داخل مسار دولي أصبح يعرف تعددا في الفاعلين وتغيرا في موازين التأثير.
ويأتي التحرك الجديد في ظل ظروف إقليمية ودولية صعبة بالنسبة للجبهة، بعدما واجهت انتقادات متزايدة عقب الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة في ماي الماضي، والتي أعادت النقاش حول مسؤولية البوليساريو في زعزعة الاستقرار، كما تزامن ذلك مع بروز مبادرات وأطراف صحراوية جديدة تسعى إلى تقديم مقاربات بديلة، من بينها حركة “صحراويون من أجل السلام”، التي عقدت لقاءات مع مسؤولين دوليين في واشنطن.
وتراهن البوليساريو على الدور الجنوب إفريقي باعتباره أحد أهم منافذها الدبلوماسية المتبقية، بالنظر إلى استمرار دعم بريتوريا لمواقفها داخل عدد من المحافل الدولية، رغم تراجع هامش نفوذها مقارنة بسنوات سابقة، وازدياد الانتقادات الموجهة إلى سياستها الخارجية في عدد من الملفات الإقليمية.
كما يعكس هذا المسار حجم التحديات التي تواجهها الجزائر، باعتبارها الداعم الرئيسي للبوليساريو، في ظل صعوبة احتكار التأثير في مسار المفاوضات الدولية المتعلقة بقضية الصحراء، خاصة مع اتساع دائرة الدول الداعمة لمقاربة سياسية تقوم على الواقعية والتوافق.
ولم تكن محاولة استثمار الدور الجنوب إفريقي جديدة، إذ سبق للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا أن زار جنوب إفريقيا مطلع سنة 2024 لبحث إمكانية مساهمة بريتوريا في المسار السياسي، وهي خطوة أثارت حينها تحفظ المغرب باعتبار أن الحل الأممي يمر عبر الإطار المتفق عليه بين الأطراف المعنية.
ويؤشر لقاء باريس بين ممثل البوليساريو والرئيس الجنوب إفريقي على محاولة جديدة من الجبهة لإعادة تنشيط شبكتها الدبلوماسية عبر بوابة جنوب إفريقيا، أملا في الوصول إلى دوائر تأثير غربية، خصوصا في فرنسا التي أصبحت في السنوات الأخيرة فاعلا مركزيا في النقاشات المرتبطة بمستقبل ملف الصحراء.
ويأتي هذا التحرك في مرحلة تتسم بإعادة ترتيب التحالفات والمواقف الدولية، حيث باتت قدرة الأطراف على التأثير مرتبطة بمدى قدرتها على تقديم حلول واقعية وقابلة للتسويق داخل المنظومة الدولية، وليس فقط بالحضور التقليدي داخل التحالفات السياسية القائمة.











