البوليساريو بين الادعاء والواقع: اتفاق المغرب والاتحاد الأوروبي صفعة قانونية وسياسية جديدة

محرر مقالات4 أكتوبر 2025
البوليساريو بين الادعاء والواقع: اتفاق المغرب والاتحاد الأوروبي صفعة قانونية وسياسية جديدة

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة-العيون

 

مرة أخرى، تحاول جبهة البوليساريو تسويق خطاب متهافت يفتقر إلى الأساس القانوني والواقعي، في محاولة يائسة للتشويش على اتفاق تجاري استراتيجي بين المغرب والاتحاد الأوروبي، يستند إلى الشرعية الدولية والإرادة السيادية للطرفين. بيانها الأخير، الذي نددت فيه بالاتفاق الفلاحي المحدث بين الرباط وبروكسيل، يكشف ارتباكا واضحا أمام تنامي الاعتراف العملي بمغربية الصحراء، وتزايد الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي للأطراف الدولية في تنمية الأقاليم الجنوبية للمملكة.

 

الزعم بأن الاتفاق “تم من وراء ظهر الشعب الصحراوي” لا يعدو أن يكون محاولة أخرى لاستغلال مفهوم تقرير المصير خارج سياقه القانوني والواقعي. فالسكان المعنيون بهذا الاتفاق هم الصحراويون المغاربة المقيمون في الأقاليم الجنوبية، الذين يشاركون ديمقراطيا في تدبير شؤونهم عبر المجالس المنتخبة والتمثيلية المشروعة، وليس قيادة معزولة تقيم في مخيمات فوق التراب الجزائري وتدعي احتكار تمثيلية لا يقرها أي مسار انتخابي أو استفتائي أو تفويض دولي.

 

الاتفاق الجديد، كما أكده وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، لا يحمل أي طابع سياسي، بل هو نص قطاعي وتجاري يعدل الإطار القائم بما يضمن تدفقا قانونيا ومنظما للمنتجات الفلاحية، ويخضعها لشروط أوروبية واضحة تتعلق بالتعريفات والملصقات ومبدأ التتبع. والأهم أنه يكرس للمرة الثانية – بعد اتفاق 2019 – استفادة الأقاليم الجنوبية، شأنها شأن باقي جهات المملكة، من الامتيازات الجمركية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي لشركائه. وهذه الخطوة تنسجم مع موقف بروكسيل المعلن الذي يعتبر الصحراء جزءا من منطقة الشراكة الاقتصادية مع المغرب.

 

أما محاولة البوليساريو الادعاء بأن الاتفاق “يشكل تهديدا للقطاعات الزراعية الأوروبية” فهي مفارقة صارخة تكشف حجم العزلة السياسية التي تعيشها الجبهة. فمنذ متى نصبت نفسها مدافعة عن مصالح الفلاحين الإسبان أو الفرنسيين أو الإيطاليين؟ الواقع أن الاتحاد الأوروبي هو الذي فاوض على الاتفاق وفق مصالحه الاستراتيجية، وبناء على دراسات اقتصادية وبيئية وقانونية معمقة. وإذا كان هناك طرف يملك حق تقييم أثر الاتفاق على السوق الأوروبية فهو المجلس والبرلمان والمفوضية، لا كيان غير معترف به يخضع لأجندة دولة راعية خارجة عن الاتفاق.

 

ثم إن الحديث عن “إقصاء البرلمان الأوروبي” يتجاهل أن الآلية المتبعة في المصادقة كتابيًا تظل سارية قانونيًا داخل هياكل الاتحاد، وقد استُخدمت في ملفات عديدة ذات طبيعة استعجالية أو تقنية، دون أن يشكل ذلك مخالفة، خاصة في ظل وجود توافق سياسي مسبق بين المفوضية والمجلس الأوروبي حول مضامين الاتفاق.

 

البيان الانفصالي تجاهل كذلك حقيقة جوهرية مفادها أن الاتحاد الأوروبي سبق أن اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب “جدية وذات مصداقية” في قرارات رسمية لسنة 2019، وأن عدة دول كبرى في الاتحاد تدعم هذا التوجه، بما فيها ألمانيا وإسبانيا وهولندا وفرنسا. وبالتالي فإن أي شراكة اقتصادية مع المغرب تشمل أقاليمه الجنوبية لا تُناقض القانون الأوروبي، ولا تتعارض مع قرارات محكمة العدل الأوروبية، التي أوضحت أن أي اتفاق يراعي مبدأ استفادة الساكنة المحلية ويوقع مع الطرف المعترف به دوليًا يبقى مشروعًا ونافذًا.

 

وفي الوقت الذي تكتفي فيه البوليساريو بالتلويح بمعارك قضائية لا تنتهي، ينخرط شركاء المغرب في تنزيل مشاريع استثمارية كبرى بالعيون والداخلة، ويستعد رجال أعمال أوروبيون للمشاركة في منتديات اقتصادية تجمعهم بمسؤولين مغاربة، كما هو الحال في المنتدى المغربي-الفرنسي المقبل. ويعكس ذلك تحوّل الصحراء المغربية إلى منصة للتنمية الإقليمية وممر للتكامل بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما أشار إليه بوريطة أثناء عرضه لمضامين الاتفاق.

 

أكثر من ذلك، فإن الاتفاق يسهم في خلق فرص عمل وتنويع الاقتصاد المحلي وتعزيز الناتج الداخلي الخام الفلاحي، سواء في الأقاليم الجنوبية أو في باقي مناطق المغرب. وتجاوز حجم المبادلات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي 60 مليار يورو سنويًا، مما يجعل المملكة الشريك الأول لأوروبا في إفريقيا والعالم العربي. هذه المعطيات، بما تحمله من ثقل مادي واستراتيجي، تجعل من اعتراض البوليساريو مجرد رد فعل سياسي فاقد للتأثير.

 

وعوض الاستمرار في الانغلاق داخل خطاب متجاوز، كان يجدر بالجبهة أن تقرأ التحولات الجارية بعين الواقعية، وأن تدرك أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى الصحراء باعتبارها جزءًا من دينامية تنموية مغربية واسعة تحظى باعتراف اقتصادي وقانوني متزايد. أما محاولة الادعاء بأن الاتفاق “يقوض مسار الأمم المتحدة” فهي مغالطة مكشوفة، لأن الأمم المتحدة نفسها لا تعارض الاستثمارات بالأقاليم الجنوبية ولا تمنع المغرب من ممارسة سيادته الاقتصادية عليها، ما دامت العملية تتم في إطار الشرعية والتوافق الدولي.

 

إن البيان الأخير للبوليساريو لا يكشف فقط عجزًا عن التأثير في مسار العلاقات المغربية الأوروبية، بل يعكس كذلك إحساسًا متزايدًا بفقدان زمام المبادرة في ملف لم يعد مطروحًا سياسيًا بالصيغة التي تحاول تسويقه منذ عقود. الرد الحقيقي على هذه السردية يكمن في استمرار البناء الاقتصادي والقانوني للشراكات الاستراتيجية، وترسيخ التنمية الميدانية بالأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية الكاملة، وهو ما يتأكد يومًا بعد آخر على أرض الواقع، بعيدًا عن الشعارات التي فقدت صلتها بالحقائق والمعطيات الجديدة.

الاخبار العاجلة