العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
بينما تحيي جبهة البوليساريو الانفصالية ما تسميه “الذكرى الثالثة والخمسين لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، تبدو المناسبة هذا العام محاطة بسياق سياسي ودبلوماسي مغاير تماما لما اعتادت الجبهة الترويج له طوال عقود، فبعد أكثر من نصف قرن من رفع شعارات “التحرير” و”تقرير المصير”، تواجه الجبهة واحدة من أكثر مراحلها تعقيدا، في ظل التحولات الدولية المتسارعة التي عززت الاعتراف بمغربية الصحراء، ووسعت دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الخيار الأكثر واقعية وعمليا لتسوية النزاع.
وتأتي هذه الذكرى في وقت يشهد فيه الملف زخما دبلوماسيا متناميا لصالح المغرب، مدعوما بمواقف دولية وازنة تعتبر أن مقاربة الانفصال لم تعد قابلة للتطبيق في ظل المتغيرات الجيوسياسية والرهانات الأمنية التي تعرفها المنطقة، كما أن عددا متزايدا من الدول بات ينظر إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا سياسيا يوازن بين الحفاظ على السيادة الوطنية وضمان تدبير محلي موسع للأقاليم الجنوبية.
في المقابل تبدو البوليساريو أمام واقع ميداني وسياسي أكثر هشاشة، خصوصا داخل مخيمات تندوف، حيث تتزايد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي والانغلاق السياسي، وسط أوضاع إنسانية معقدة وارتهان متواصل للمساعدات الخارجية، كما أن التحولات التي يشهدها العالم اليوم، والقائمة على منطق الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية، أضعفت من حضور الخطاب الثوري التقليدي الذي ظلت الجبهة تعتمد عليه منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويرى متابعون أن الجبهة لم تنجح خلال العقود الماضية في تحقيق أي تحول استراتيجي على الأرض، سواء من الناحية العسكرية أو على مستوى كسب تأييد دولي حاسم لأطروحة الانفصال، في وقت تمكن فيه المغرب من ترسيخ حضوره الدبلوماسي والاقتصادي بالأقاليم الجنوبية، عبر مشاريع تنموية كبرى وبنيات تحتية عززت من موقع المنطقة ضمن الرؤية التنموية للمملكة.
كما أن التحولات الإقليمية في منطقة الساحل والصحراء، وما رافقها من تصاعد التهديدات الأمنية والجماعات المسلحة وشبكات التهريب، دفعت عددا من الفاعلين الدوليين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم وفق مقاربة تضع الاستقرار الإقليمي فوق الاعتبارات الإيديولوجية القديمة، وهو ما زاد من عزلة الأطروحة الانفصالية داخل المنتظم الدولي.
وفي خضم هذه المتغيرات، تبدو الذكرى الثالثة والخمسون لتأسيس البوليساريو أقرب إلى محطة لإعادة طرح الأسئلة حول مستقبل الجبهة وقدرتها على الاستمرار ضمن سياق دولي لم يعد يمنح نفس المساحة لخطابات الحرب الباردة أو المشاريع الانفصالية التقليدية، بقدر ما يركز على الحلول الواقعية والتنمية والاستقرار كشروط أساسية لتدبير النزاعات الإقليمية.











