العيون الآن.
حمزة وتاسو / القصيبة.
في القصيبة يبدو أن الماء لم يعد حقا يوميا، بل “موعدا احتفاليا” لا يأتي إلا حين تضاء منصات المهرجان، بعد أكثر من شهر من الانقطاعات المتكررة ومعاناة السكان في البحث عن كل قطرة، جاء المهرجان فجاء الماء معه، في مفارقة صادمة تكشف أن الأزمة ليست فقط تقنية بل في الإرادة وحسن التدبير.
الماء جرى في الصنابير مع انطلاق الفعاليات فعمت فرحة حقيقية بين الأهالي، لكن الفرحة لم تدم طويلا؛ فما إن انطفأت أضواء المهرجان حتى انقطعت المياه مجددا، وكأنها كانت ضيف شرف المهرجان.
وإذا كانت ساعات توفر الماء خلال النهار ممتدة، فإن الليل يأتي حاملا معه العطش، حيث يُقطع الماء بشكل كامل في ساعات الليل، تاركا الأسر في ظلام عطش يطال ساعات النوم والراحة، مما يزيد من حجم المعاناة ويطرح تساؤلات حول جدوى التوزيع والتدبير.
هذا المشهد يزداد استفزازا إذا وضعناه في سياق ما أكده الملك محمد السادس نصره الله، في خطاب عيد العرش بتاريخ 29 يوليوز 2024، حين شدد على أن إشكالية الماء قضية مصيرية لا تحتمل التهاون أو التأخير أو سوء التدبير، ودعا إلى ضمان الماء الشروب لجميع المواطنين في كل الظروف، مع تسريع إنجاز المشاريع الكبرى، من تحلية ونقل مياه بين الأحواض، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد.
إذا كانت أعلى سلطة في البلاد تعتبر الماء أولوية استراتيجية، فكيف تترك القصيبة رهينة انقطاعات متكررة لا تنتهي إلا بمناسبة مهرجان؟ وكيف يمكن تبرير أن تسقى المدينة أيام الاحتفال، ثم تترك للعطش بعد انصراف الضيوف؟
الحقيقة المؤلمة أن ما جرى في القصيبة يطرح سؤالا أخلاقيا قبل أن يكون تقنيا: إذا كانت القدرة على توفير الماء موجودة، فلماذا لا تفعل إلا تحت ضغط الصورة والمظهر؟ الماء ليس ترفا ولا أداة بروتوكولية لتحسين وجه المدينة أمام الغرباء، بل شريان حياة وحق دستوري يجب أن يصان في كل يوم، لا في أيام المهرجان فقط.
إن خطاب الملك وضع خريطة طريق واضحة: إرادة سياسية، مشاريع مهيكلة، وحكامة صارمة، لكن ما نراه في القصيبة هو العكس تماما، وهنا تكمن الفجوة بين التوجيه الوطني والممارسة المحلية، فجوة يدفع ثمنها المواطن البسيط من صبره وكرامته.
المهرجان ينتهي والزوار يغادرون، أما أبناء القصيبة فيبقون ومعهم سؤال لا يفارقهم: إلى متى سيبقى الماء ضيفا مؤقتا، لا ساكنا دائما في بيوتنا ؟











